تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأخيرا: ما وسائل التخلص من الاستبداد؟ هو يرى أن الاستبداد لا يقاوم بالقوة، إنما يقاوم باللين وبالتدريج؛ ببث الشعور بالظلم، وهذا يكون بالتعليم والتحمس؛ ذلك لأن الاستبداد محفوف بأنواع القوات: كقوة الجند، وقوة المال، وقوة رجال الدين، وقوة الأغنياء، فإذا قوبل بالقوة كانت فتنة تحصد الناس! وإنما الواجب المقاومة بالحكمة في توجيه الأفكار نحو تأسيس العدالة. والاستبداد - مع اعتماده على هذه القوات كلها - يضعف أمام الوسائل المتحكمة في قلبه، كما قيل: كم من جبار عنيد جندله مظلوم صغير!!

ويجب قبل مقاومة الاستبداد تهيئة ما يحل محله، ومعرفة الغاية معرفة دقيقة واضحة. ومتى وضحت الغاية المرسومة يجب السعي في إقناع الناس بها، واستجلاب رضاهم عنها وحملهم على النداء بها، ويجب أن ينشر ذلك في كل الطبقات حتى يصبح عقيدة، فيتلهفون جميعا على نيل الحرية وتحقيق المثل الذي ينشدونه؛ عندئذ لا يسع المستبد إلا الإجابة طوعا أو كرها.

وقد حدد في ثنايا كتابه ماذا يقصد بالحكومة المستبدة، فقال: إنها تشمل حكومة الحاكم الفرد المطلق، كما تشمل حكومة الجمع ولو منتخبا إذا استبد، بل قد يكون هذا الحكم أضر من استبداد الفرد. ويدخل في أنواع الاستبداد أنواع الاستعمار، فالمستعمر تاجر لا يرى إلا مصلحته. ولا عبرة بأسماء أنواع الحكومات، إنما العبرة بحقيقتها، وكل أمة فيها لون من ألوان الاستبداد، ولكنها تختلف فيه كمية وكيفية، فبعضها يمسه الاستبداد مسا خفيفا، وبعضها تغرق فيه من قدمها إلى مفرق رأسها. والغرب سبق إلى تقدير معنى الحرية والعدالة، ولكنه لا يأخذ بيد الشرق، بل يستغله لمصلحته. وواجب الغرب أن يرعى للشرق سابق فضه، فيأخذ بيده ليخرجه إلى أرض الحياة، ويعامله معاملة الأخ لأخيه لا السيد لعبده؛ ليتعاونا بعد على السير بالإنسانية.

وبهذا ينتهي الكتاب، وهو فيه قوي مخلص، مملوء غيرة وأسفا، وتلهفا على رفع نير الاستبداد عن الشرق، وهو إن استمد الفكرة من الغرب، فهو يبسطها ويعدلها ويعنى بتطبيقها. وقد يؤخذ عليه حصر نفسه قي دائرة النظريات. وكان الكتاب يكون أوقع في النفس لو ملأه بالشواهد، وما رأى وسمع من أحداث، وهو معروف بسعة الاطلاع، فلو قرن النظريات بالشواهد لكان كتابه أكثر فائدة وأعم نفعا، ولكن يظهر أن قد منعه من ذلك أنه أراد أن يستتر فأخفى اسمه ولم يضعه على الكتاب. وقال في مقدمة الكتاب: إنه لم يقصد ظالما بعينه ولا حكومة مخصوصة، وهو لو أتى بالشواهد لدل على الحكومة التي يقصدها. وما كان في ذلك من ضرر، بل كان فيه كل النفع، ولكن الأمور تقدر بأوقاتها وظروفها، وهو فيما اكتنفه من ظروف كان في عرضه النظريات فقط شجاعا جريئا.

4

أما كتابه الثاني «أم القرى» فأدل على الابتكار وأوضح في إظهار الشخصية. يقف فيه من المسلمين موقف الطبيب من المريض، يفحص داءه ويتعرف أسبابه، ويصف علاجه في أسلوب قصصي جذاب. تحدث فيه عن جمعية من المسلمين عقدت في مكة حضرها ممثل أو أكثر لكل قطر إسلامي؛ فعضو شامي، وعضو إسكندري، ومصري ومقدسي ويمني وبصري ونجدي ومدني ومكي وتونسي وفاسي وإنجليزي ورومي وكردي وتبريزي وتتري وقازاني وتركي وأفغاني وهندي وسندي وصيني. وأسندت رياسة الجمعية للعضو المكي، والسكرتارية للسيد الفراتي - ويعني به الكواكبي نفسه - واجتمعوا كلهم قبيل الحج في مكان متطرف في مكة يتداولون في حال المسلمين. وكان أول اجتماع لهم في 15 ذي القعدة سنة (1316ه).

فهل كانت هذه الجمعية حقيقية أو من نسج خياله؟ يقول هو: إن لها أصلا من الحقيقة، وإن الخيال تممها، فهل هذا صحيح، أو هو من قبيل تأييد الخيال كما يفعل كثير من الروائيين؟ أرجح الرأي الثاني.

على كل حال انعقدت الجمعية - فيما يقول - ووضع الرئيس منهج البحث، وهو الكتمان؛ لأنه أدعى إلى إفضاء كل بما في نفسه في صراحة، وتناسي الاختلاف في المذاهب، فلا سني وشيعي، ولا شافعي وحنفي، فالكل مسلم. ثم التحرر من اليأس في الإصلاح، فهذه أمم كثيرة كالرومان واليونان واليابان، استرجعت مجدها بعد تمام ضعفها، خصوصا وأن الظواهر كلها تدل على أن الزمان قد استدار، وبدأت تظهر أعراض الصحة على المسلمين، ومن أعظم الظواهر انعقاد مثل هذه الجمعية. ووضع برنامج المؤتمر، وهو يتلخص في بحث موضع الداء في المسلمين وأعراضه وجراثيمه ودوائه وكيفية استعماله ... إلخ.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٧١٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٧١٩