تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما الغربيون المحدثون، فوضعوا الأخلاق غير مرتكزة على الدين، ولكن على ما أودع في فطرة الإنسان من ضمير وحب للنظام، ساعدهم على ذلك انتشار العلم عندهم والرغبة في التقدم، واستعانوا على ذلك بالوطنية.

ثم وازن بين أثر التربيتين فقال: إن الغربي مادي الحياة، قوي النفس، مضبوط المعاملة، حريص على الاستئثار، حريص على الانتقام. والشرقي غير مادي، يغلب عليه ضعف القلب وسلطان الحب والإصغاء للوجدان، والرحمة ولو في غير موضعها. وقد نجح الغربيون المحدثون في محاربة الاستبداد، واستباحوا التدابير القاسية لمحو الظلم والاعتساف، فنالوا ما أرادوا من تحرير الأفكار وتهذيب الأخلاق وجعل الإنسان إنسانا، وما أحوج الشرقيين إلى حكماء لا يبالون بغوغاء العلماء الأغبياء والرؤساء القساة، يجددون النظر في الدين فيعيدون إليه النواقص المعطلة، ويهذبونه من الزوائد الباطلة، فيملكون الإنسان إرادته وحريته وإنسانيته. •••

ثم عرض للاستبداد يفسد التربية - والتربية تنمية الاستعداد جسما ونفسا وعقلا، وهي قادرة أن تبلغ بالإنسان أعلى حد من الرقي لو صلحت.

والحكومات العادلة تعنى بتربية الأمة من وقت تكون الجنين، بل قبله، بسن قوانين للزواج الصالح، ثم بالعناية بالقابلات الأطباء، ثم بفتح بيوت اللقطاء، ثم بإنشاء المكاتب والمدارس وتنظيم خططها متدرجة إلى أعلى مرتبة، ثم تسهيل الاجتماعات، والإشراف على المراسح، ثم تشجيع النوادي وإنشاء المكتبات، وإعلام شأن النوابغ بإقامة النصب ونحوها، ثم بتنمية المشاعر القوية بشتى أنواعها، وتيسير الأعمال وغير ذلك.

أما الحياة في الحكومات المستبدة فمجرد نماء يشبه نماء الأشجار الطبيعية في الغابات والأحراش، يسطو عليها الغرق والحرق، وتحطمها العواصف، والأيدي القواصف.

في الحكومة العادلة يعيش الإنسان حرا نشيطا، يسره النجاح ولا تقبضه الخيبة؛ وفي الحكومة المستبدة يعيش خاملا خامدا، ضائع القصد حائرا.

الأسير المعذب يسلي نفسه بالسعادة الأخروية، ويبعد عن فكره أن الدنيا عنوان الآخرة، وقد جنى على المسلمين علماؤهم، فأفهموهم أن الدنيا سجن المؤمن، وأن المؤمن مصاب، وإذا أحب الله عبدا ابتلاه، وهكذا مما ابتدعوه؛ ويتغافلون عن حديث: «اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا»، وحديث معناه: «إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم غرسة فليغرسها!»، وكل هذه المثبطات تحول الأذهان عن معرفة أسباب الشقاء إلى إلقائها على عاتق القضاء والقدر.

وقد أحكموا هذه المكيدة باختراع الأحاديث التي تجعل الخضوع للحاكم دينا. وعلى الجملة فالتربية الصحيحة لا تمكن في ظل الاستبداد! •••

ثم الاستبداد - على الإجمال - يمنع الترقي. والترقي الحيوي الذي يسعى إليه الإنسان هو - أولا - الترقي في الجسم صحة وتلذذا، ثم الترقي في الاجتماع بالعائلة والعشيرة، ثم الترقي في القوة بالعلم والمال، ثم الترقي في الملكات بالخصال والمفاخر. وهناك نوع آخر هو الترقي الروحي، وهو الاعتقاد بأن وراء هذه الحياة حياة أخرى تترقى إليها على سلم الرحمة والإحسان - والاستبداد بالأمة عدو ذلك كله؛ بل هو يحول الميل الطبيعي فيها إلى طلب التسفل، حتى لو دفعت إلى الرفعة لأبت وتألمت كما يتألم الأجهر من النور! وعندئذ يكون الاستبداد كالعلق، يمتص دم الأمة فلا ينفك عنها حتى تموت ويموت هو بموتها. والاستبداد يجعل الأمة منحطة في الإحساس، منحطة في الإدراك، منحطة في الأخلاق. وهو يضغط عليها فتكون كدود تحت صخرة؛ والمشفقون عليها يجب أن يسعوا في رفع الصخرة ولو حتا بالأظافر ذرة بعد ذرة!!

وهنا ضرب مثلا يصح أن يخطب به الخطباء في الناس ليستيقظوا؛ فوضع خطبة نموذجية لتنبيه المشاعر. وقال: إن الرقي الذي ينشده في ظل العدل هو أن يكون الشخص أمينا على جسمه وحياته بحراسة الحكومة التي لا تغفل عن المحافظة عليه، أمينا على ملذاته الجسمية والفكرية باعتناء الحكومة بإيجاد أسبابها، أمينا على حريته فلا يعتدى عليها، أمينا على نفوذه كأنه سلطان عزيز، فلا يمانع في تنفيذ مقاصده النافعة، أمينا على ماله وشرفه، وما منحته الطبيعية من مزايا، فما لم تتحقق هذه فالحكومة مستبدة ليست صالحة لترقي شعبها.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٧١٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٧١٨