تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال الرئيس: إن أوضح عرض من أعراض مرض المسلمين فتورهم، وهو فتور عام شامل لجميع المسلمين في جميع أقطار الأرض، لا يسلم منه إلا أفراد شواذ، حتى لا يكاد يوجد إقليمان متجاوران، أو ناحيتان في إقليم، أو قريتان في ناحية، أو بيتان في قرية، أهل أحدهما مسلمون والآخر غير مسلمين، إلا والمسلمون أقل من جيرانهم نشاطا وانتظاما، وأقل إتقانا من نظرائهم في كل فن وصنعة، مع أن المسلمين في جميع الحواضر متميزون عن غيرهم من جيرانهم في المزايا الأخلاقية، مثل الأمانة والشجاعة والسخاء، حتى توهم كثير من الحكماء أن الإسلام والنظام لا يجتمعان! فما هو السبب ؟

وقد لفت نظره العضو الهندي في أنه مع تسليمه بما قال الرئيس، يود أن يستثني بعض حالات فيها المسلمون خير من جيرانهم، كبعض الوثنيين في الهند، والصابئة في العراق، فوافقه الرئيس وشكره على دقة ملاحظته.

ثم أخذوا - بعد التسليم بوجود العرض - يبحثون في الأسباب. وذهبوا في ذلك كل مذهب؛ فالشامي رأى أن سبب الفتور يرجع إلى ما أصاب المسلمين من عقيدة جبرية، فهذه العقيدة في القضاء والقدر على هذا النحو آلت إلى الزهد في الدنيا، والقناعة باليسير والكفاف من الرزق، وإماتة المطالب النفسية كحب المجد والرياسة والإقدام على عظائم الأمور، فأصبح المسلم كميت قبل أن يموت. والعقيدة بهذا الشكل مثبطة معطلة لا يرضاها عقل، ولم يأت بها شرع.

والمقدسي رأى أن السبب تحول نوع السياسة الإسلامية من ديمقراطية إلى استبدادية، فأفسدت العقول وأماتت الأخلاق.

ورأى التونسي أن بعض الأمم الأوربية محكومة بحكومة استبدادية ولم يمنع ذلك من تقدمها، وإنما السبب في نظرة الأمراء المترفون الذين لم يرعوا للأمة حقوقها.

وقال الرومي: إن تحميل الأمراء التبعة كلها غير سديد، فما هم إلا نفر قليل من الأمة. والسبب الحقيقي في نظره فقدان المسلمين الحرية. بجميع أنواعها؛ من حرية تعليم، وحرية خطابة، وحرية البحث العلمي؛ فبفقد الحرية تفقد الآمال، وتبطل الأعمال، وتموت النفوس، وتختل القوانين، وتسأم الأمة حياتها فيستولى عليه الفتور.

ورأى التبريزي أن السبب ترك المسلمين أصل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فاسترسل الأمراء في أهوائهم، وعدمت المراقبة عليهم.

وقال الفاسي: إن السبب هو إهمال الناس الاهتمام بالدين، حتى لم يبق له أثر إلا على رءوس الألسن، وأمراؤهم مثلهم لا يتراءون بالدين إلا بقصد تمكين سلطانهم على البسطاء من الأمة، هذا إلى ظلمهم وجورهم. وقد كان المسلمون أعزاء يوم توثقت بينهم الرابطة الدينية، فلما انحلت ضاعت الأخلاق ففتروا وخمدوا.

أجاب المدني بأن فقد الرابطة الدينية والوحدة الخلقية لا يكفيان سببا لهذا الفتور العام. وعنده إن السبب تدليس رجال الدين وغلاة المتصوفين الذين لونوا الدين بلون سيئ فأضاعوه وأضاعوا أهله؛ وذلك أن العلماء العاملين أهل لكل تجلة واحترام، فلما حسدهم من لا يستحق هذه المنزلة سلكوا مسلك الزاهدين. ومن العادة أن يلجأ ضعيف المقدرة إلى التصوف كما يلجأ فاقد المجد إلى الكبر، وقليل المال إلى التظاهر بزينة اللباس والأثاث، فأفسد هؤلاء الدين بما أدخلوا فيه مما ليس منه، كالعلم اللدني، وترتيب المقامات، ووراثة السر، والرهبنة، والتظاهر بالعفة، والتبرك بالآثار، والكرامة على الله، والتصرف في القدر، فسحروا عقول الجهلاء، واختلبوا قلوب الضعفاء كالنساء، والنساء بذرن هذه البذور الضارة في أبنائهن فماتت النفوس وخرفت العقول. وهؤلاء المدلسون وجدوا في بغداد ومصر والشام وتلمسان وغمروا السوق في الأستانة، وسرى من هذه العواصم إلى جميع الآفاق فأصبح المرض عاما.

وانضم «الرومي» إلى هذا الرأي وزاده إيضاحا، فقال: إن داءنا الدفين دخول ديننا تحت ولاية العلماء الرسميين والجهال المتعممين؛ وبلغ أمرهم في البلاد العثمانية أن صارت الألقاب العلمية منحة رسمية تعطى للجهال حتى للأميين والأطفال (كمشيخة الطرق عندنا) فقد يكون طفلا ويمنح بالوراثة لقب «أعلم العلماء المحققين»، ثم «أفضل الفضلاء المدققين» ثم وثم حتى يوصف بأنه «أعلم العلماء المتبحرين، وأفضل الفضلاء المتورعين، وينبوع الفضل واليقين»، وأكثرهم لا يحسنون حتى قراءة ألقابهم. وطبيعي أن هؤلاء يقابلون السلطان بالمثل؛ فهو صاحب العظمة والإجلال، المنزه عن النظير والمثال، مهبط الإلهامات، ومصدر الكرامات، سلطان السلاطين، ومالك رقاب العالمين. وأصبح التدريس والإرشاد والوعظ والخطابة والإمامة وسائر الخدم الدينية سلعا تباع وتشترى، وتوهب وتورث. وتسلط هؤلاء المتعممون على المجالس والإدارات، واتخذ الأمراء من ذلك وسيلة يعتذرون بها عند الدول الأجنبية بان الرأي العام - وعلى رأسه المعممون - لا يقبلون الإصلاح المدني.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٧٢٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٧٢٠