تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والحكومة الاستبدادية سبب في اختلال نظام الثروة، فهي تجعل رجال السياسة والدين ومن يلحق بهم يتمتعون بحظ عظيم من مال الدولة، مع أن عددهم لا يتجاوز الواحد في المائة، وهي تخصص المال الكثير لترف المستبد وسرفه؛ وتغدق على صنائعها ومن يستخدم لتحصيل شهواتها ومن يعينها على طغيانها، وسائر أفراد الشعب في شقاء وفقر وبؤس!

والحكومات العادلة تعمل على تقريب المسافات بين أفراد الشعب، فلا غنى مفرط ولا فقر مفرط. وهذه حكومة الصين المعدودة غير متمدنة لا تجيز للشخص الواحد أن يملك أكثر من خمسة أفدنة، وروسيا وضعت لبعض ولاياتها قانونا أشبه بهذا، ومنعت سماع دعوى دين غير مسجل على فلاح، ولم تأذن لفلاح أن يستدين أكثر من خمسمائة فرنك. وحكومات الشرق إذا لم تعالج الفروق الكبيرة بين سادتها وعبيدها ساء مصيرها.

ثم الحكومات المستبدة تيسر للسفلة طرق الغنى بالسرقة والتعدي على الحقوق العامة، ويكفي أحدهم أن يتصل بباب أحد المستبدين ويتقرب من أعتابه، ويتوسل إلى ذلك بالتملق وشهادة الزور وخدمة الشهوات والتجسس؛ ليسهل له الحصول على الثروة الطائلة من دم الشعب.

هذه صورة سينمائية لكتاب «طبائع الاستبداد». ولو أنسئ في عمر «الكواكبي» حتى يرى النظريات الاقتصادية الحديثة، وتطور النظم السياسية، والدولة الشيوعية، وحركات العمال أمام استبداد رءوس الأموال، وعلاقة الغرب بالشرق، وما اخترع الدكتاتوريون في أوربا من نظريات أرغموا العلم إرغاما على أن يؤيدها، ونحو ذلك من أوضاع، لكان له من كل ذلك مادة خصبة يبدع فيها فوق ما أبدع.

3

عرض «الكواكبي» بعد ذلك لأثر الاستبداد في فساد الأخلاق؛ فالاستبداد يتصرف في أكثر الميول الطبيعية والأخلاق الفاضلة فيضعفها أو يفسدها؛ فهو يفقد الإنسان عاطفة الحب، فهو لا يحب قومه لأنهم عون الاستبداد عليه، ولا يحب وطنه لأنه يشقى فيه، وهو ضعيف الحب لأسرته لأنه ليس سعيدا فيها، وهو لا يركن إلى صديقه لأنه قد يأتي عليه يوم يكون فيه عونا على الاستبداد ومصدر شر له.

الإنسان في ظل الاستبداد لا ينعم بلذة العزة والشمم والرجولة، فلا يذوق إلا اللذة البهيمية لأنه لا يعرف غيرها.

والاستبداد يلعب بالأخلاق، فيجعل من الفضائل رذائل، ومن الرذائل فضائل: فيسمي النصح فضولا، والشهامة تجبرا، والحمية طيشا، والإنسانية حمقا ، والرحمة مرضا، كما يسمي النفاق سياسة، والتحايل كياسة، والدناءة لطفا، والنذالة دماثة وظرفا.

والاستبداد أفسد عقول المؤرخين، فسموا الجبابرة الفاتحين عظماء أجلاء، مع أنه لم يصدر عنهم إلا الإسراف في القتل والتخريب، ثم شادوا بذكر السلف تملقا للخلف.

والاستبداد يفقد الثبات في الخلق، فقد يكون الرجل شجاعا كريما فيصبح بعوامل الاستبداد جبانا بخيلا. ولا أخلاق ما لم تكن ثابتة مطردة!

وأقل ما يؤثر الاستبداد في أخلاق الناس أنه يرغم الأخيار منهم على ألفة الرياء والنفاق، ويعين الأشرار على فجورهم آمنين حتى من الانتقاد والفضيحة؛ لأن أكثر أعمالهم تظل مستورة لا يجرؤ الناس على قول الحق أمامهم خوف العقبى.

وأقوى ضابط للأخلاق النهي عن المنكر بالنصيحة والتوبيخ وما إلى ذلك، وهو في عهد الاستبداد غير مقدور لغير ذوي المنعة، وقليل ما هم، ويصبح الوعظ والإرشاد ملقا ورياء.

في الحكومات التي نجت من الاستبداد أطلقت حرية الخطابة والتأليف والمطبوعات، ورأت أن الفوضى في ذلك خير من تحديد الحرية؛ لأنه متى وضعت القيود نفذ منها الحكام، وتوسعوا فيها حتى خلقوا منها سلسلة من حديد يخنقون بها الحرية.

والاستبداد يفقد الناس ثقة بعضهم ببعض، ويحل الخوف محل الثقة، فيقل التعاون بين الأفراد، والتعاون حياة الأمم.

والأنبياء سلكوا في تكوين الأخلاق مسلكا خاصا، فبدءوا بفك العقول من تعظيم غير الله، وذلك بتقوية الإيمان المفطور عليه الإنسان، ثم جهدوا في تنوير العقول بمبادئ الحكمة، وتعريف الإنسان كيف يملك إرادته وحريته في أفكاره، وبذلك هدموا حصون الاستبداد. ثم أبانوا أنه مكلف بقانون الإنسانية واتباع المبادئ التي ترقيه وترقي جنسه - وكذلك فعل السياسيون الأقدمون من الحكماء.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٧١٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٧١٧