وأنصع صفحة في تاريخ حياته قوة شعوره بفساد حال المسلمين، وتخصيص جزء كبير من حياته في تعرف أحوالهم في جميع أقطار الأرض، وتشخيص أمراضهم وتلمس العلاج لهم، فعكف على مطالعة تاريخهم في ماضيهم وحاضرهم، وما كتبه الكتاب المحدثون في ذلك في الكتب والمجلات والجرائد، ودرس أحوال المسلمين في المملكة العثمانية. ثم رحل إلى كثير من بلاد المسلمين، فساح في سواحل إفريقية الشرقية، وسواحل آسيا الغربية، ودخل بلاد العرب وجال فيها، واجتمع برؤساء قبائلها، ونزل بالهند وعرف حالها. وفي كل بلد ينزلها يدرس حالتها الاجتماعية والاقتصادية، وحالتها الزراعية، ونوع تربتها وما فيها من معادن ونحو ذلك، دراسة دقيقة عميقة. ونزل مصر وأقام بها، وكان في نيته رحلة أخرى إلى بلاد المغرب يتم فيها دراسته، ولكنه عاجلته منيته.
أخرج نتيجة دراسته في مقالات كتبت في المجلات والجرائد، ثم جمعت في كتابين: اسم أحدهما «طبائع الاستبداد»، والآخر «أم القرى»: الأول في نقد الحكومات الإسلامية، والثاني في نقد الشعوب الإسلامية غالبا.
لقد كان الحديث في مثل هذه الموضوعات التي مسها «الكواكبي» في «طبائع الاستبداد» و«أم القرى» من الموضوعات المحرمة، لأنها تمس نظام الحكم من قريب، وتفهم الشعوب حقوقهم وواجباتهم، وتقفهم على مناحي الظلم والعدل، وتهيئهم للمطالبة بالحقوق إذا سلبت، والقيام بالواجبات إذا أهملت، وهذا أبغض شيء لدى الحاكم المستبد. لذلك رأينا الشرق من بعد ابن خلدون أغلق هذا الباب، ولم يفتحه أي باحث بعده، وصار كتاب ابن خلدون مقدمة بلا نتيجة. والعلوم التي حوفظ عليها واستمرت دراستها، هي علم النحو والصرف واللغة والفقه ؛ لأنها لا تمس الحاكم من قريب ولا بعيد، ولا تفهم الناس أين هم من حاكمهم وأين حاكمهم منهم. والأدب مداح للملوك والحكام، يجعل ظلمهم عدلا وفسادهم صلاحا، فإذا أعطاهم الحاكم قليلا مما سلبه منهم هللوا وكبروا، وعجبوا من هذا الكرم الحاتمي، والسخاء الذي لا نظير له، وإذا تبسم بسمة أشرقت الشمس، وإذا عبس عبسة اكفهر الجو! وهكذا. كان الحاكم هو كل شيء في الأمة، حتى المؤرخون لا يؤرخون إلا شخصه في حياته وأعماله وحروبه وزوجاته وأولاده. أما الشعب فلا شيء، إلا أن يكون مزرعة للحكام، وأحب علم إلى الحكام وأدعاهم لنصرته هو ما لا يتصل بالحكم ونظامه، ورجال الدين المقربون هم الذين يستطيعون أن يولدوا المعاني من مثل «السلطان ظل الله في أرضه» و«من أطاع الأمير فقد أطاعني، ومن عصاه فقد عصاني». أما علم الاجتماع فلم يعرفه الشرق بعد ابن خلدون بتاتا.
كان هذا في الشرق، على حين أن الغربيين بدءوا بعد ابن خلدون يبحثون في المجتمعات بحثا واسعا، يتعرفون علل الجماعات وأمراضها، وأنواع الحكومات ومزايا كل شكل وعيوبه، ويتحررون من القيود، ولا يعبئون بالتضحيات في سبيل الحريات، ويبني لاحقهم على ما وصل إليه سابقهم.
وبلغ الضيق في الشرق منتهاه في عهد السلطان عبد الحميد، ولكن شدة الضغط تولد الانفجار، والقسوة تعلم الحيلة، وتوالي الاضطهاد يولد البغضاء، فكثرت في هذا العهد الجمعيات السرية تعمل لتحرير البلاد العثمانية من الظلم، وتعمل لوضع نظام ديمقراطي لا يكون فيه السلطان الحاكم بأمره، وفر كثير من العثمانيين إلى أوربا يدرسون نظام الحكم الأوربي وما وصلت إليه أوربا من البحوث الاجتماعية، وأخذوا يكتبون في ذلك في جرائدهم ومجلاتهم التي يحررونها خارج الحدود العثمانية، ومنها تتسرب إلى البلاد نفسها. وأخذت مصر بعد انفصالها من حكم العثمانيين تؤوي الأحرار، وتؤيد القول في نقد نظام الحكم، وظهرت في الجرائد والمجلات مقالات بالعربية في تشريح أحوال الجماعات وأصول الحكومات وترجم إلى العربية «أصول النواميس والشرائع» لمونتسكيو. وبدأت موجات البحث الاجتماعي في أوربا تصل إلى الشرق عن طريق الترجمة وطريق المثقفين في أوربا.