تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تعاون على تربيته بيته وما في تقاليده من عزة وإباء وشمم وأنفة من الصغائر، وخالة له تعهدته بعد وفاة والدته وهو صغير، وكانت من نوادر النساء في الشرق، عرفت بالأدب والكياسة وكبر العقل. وقبل ذلك، فطرته التي فطر عليها من ميل إلى الحق، وحب الخير والاستجابة للتربية الصالحة.

كل هذا جعل منه رجلا يستعصي على ناقد الأخلاق نقده. مؤدب اللسان حتى لا تؤخذ عليه هفوة، يزن الكلمة قبل أن ينطق بها وزنا دقيقا، حتى لو ألقي عليه السلام لفكر في الإجابة؟ متزن في حديثه، إذا قاطعه أحد سكت وانتظر حتى يتم حديثه، ثم يصل ما انقطع من كلامه، فيؤدب بذلك محدثه، نزيه النفس لا يخدعها مطمع ولا يغريها منصب، شجاع فيما يقول ويفعل، مهما جرت عليه شجاعته من سجن وضياع مال وتشريد، وهو - مع أنفته وعزته وصلفه على الكبراء - متواضع للبائسين والفقراء، يقف دائما بجانب الضعفاء، يشع على من يجالسه الاتزان والتفكير الهادئ، وحب الحق ونصرة المبدأ، والتضحية للفضيلة.

تعلم كما كان يتعلم ناشئة زمانه الدينيون ، لغة عربية ودين في مدرسة أسرته بحلب - «المدرسة الكواكبية» - وكانت مدرسة تسير على الطريقة الأزهرية فيما يقرأ من كتب، وما يتبع من منهج، ولكنه أكمل نفسه بقراءته بعض العلوم الرياضية والطبيعية، وأحضر له والده من علمه الفارسية والتركية، وطالع بنفسه كثيرا من الكتب التاريخية، وعني بدراسة قوانين الدولة العثمانية.

فلما أتم دراسته انغمس في الحياة العملية، وتنوعت أعماله، وتباينت اتجاهاته: فمن محرر لجرية رسمية، إلى رئيس كتاب المحكمة الشرعية، إلى قاض شرعي في بلدة من البلاد السورية، إلى رئيس البلدية. ثم هو بين الحين والحين يعتزل الوظائف الحكومية فينشئ لنفسه جريدة في «حلب» اسمها الشهباء، أو يشتغل بالأعمال التجارية، أو يقوم بمشروعات عمرانية، ومن كل ذلك يستفيد خبرة وتجربة بالحياة. وفي كل الأعمال الحكومية والحرة يصطدم بنظام الدولة، وباستبداد الحكام وفساد رجال الإدارة، فينازلهم وينازلونه، ويحاربهم ويحاربونه، وينتصر عليهم حينا، وينتصرون عليه حينا، وسلاحه دائما النزاهة والعدل والاستقامة، وسلاحهم دائما الدسائس والاتهام بخروجه على النظام، ودعوته للشغب، وما شاكل ذلك مما هو من عادة الظالمين. وكانت البلاد التي يعيش فيها موبوءة بحكم «عبد الحميد» لا يستطيع أن يعيش فيها حر صريح، ولا ينجح فيها تاجر نزيه، ولا موظف جريء مستقيم، وهذا النوع من الحكم عدو كل كفاية، وقاتل كل نبوغ!!

ارتفع شأنه في بلده، فكان يقصده أصحاب الحاجات لقضائها، والمشاكل لحلها، ورجال الحكومة أنفسهم يستشيرونه فيما غمض عليهم ويعتمدون على رأيه، وهو في كل هذا جريء فيما يقول؛ لا يقر ظالما على ظلمه، ولا يسالم جائرا لمنصبه أو جاهه. من أجل هذا غاضب «عارف باشا» والي «حلب»، وأخذ يعدد عليه سيئاته وينقم عليه تصرفاته، ويحرض الناس على رفع صوتهم معه بالشكوى منه لرؤسائه في الأستانة. فانتقم «عارف باشا» لنفسه، فزور على «الكواكبي» أوراقا، واتهمه بأنه يسعى لتسليم «حلب» لدولة أجنبية، وحبسه وطلب محاكمته؛ فبذل الكواكبي ورجاله جهدا كبيرا ليحاكم في ولاية غير ولاية «حلب»؛ وحوكم في بيروت فحكم ببراءته، وظهرت خيانة الوالي ومكايده فعزل.

وكان من أعداء «الكواكبي» أيضا «أبو الهدى الصيادي»، الذي سبق وصفه في ترجمة «عبد الله نديم»، لأن «الكواكبي» أبى الاعتراف بصحة نسبه، ولاعتداء «أبي الهدى» على بيتهم بأخذ نقابة الأشراف لنفسه منهم، فكان «أبو الهدى» أيضا يدس له، ويغري ولاة الأمر به.

فكان من نتيجة محاكمته على التهمة التي اتهمه بها «عارف باشا»، ومن معاكسة «أبي الهدى» وأعوانه له حتى في تجارته، أن خسر ألوف الجنيهات من ماله، فاحتمل ذلك بنفس قوية لا تجزع ولا تتحول.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٧١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٧١٢