في هذا الوسط طلع الكواكبي، وكان ظهوره بكتابيه جرأة كبيرة. لقد استفاد مما نقل عن الغرب، ولم يكن يعرف لغة أوربية، إنما يعرف العربية والتركية والفارسية؛ فاستفاد مما نقل إليها، ومما كان يترجم له في هذا الباب خاصة. وقد ظهر أثر هذا الاقتباس في كتابه «طبائع الاستبداد». أما كتابه «أم القرى» فبحث مبتكر، وهو يدل على كبر عقله وقوة تفكيره، وسعة اطلاعه، وصدق غيرته على العالم الإسلامي.
أما كتاب «طبائع الاستبداد»، فقد نشره - أولا - مقالات في بعض الصحف عندما كان في مصر سنة (1318ه)، ثم جمعها في كتاب وقال في أوله: «إني نشرت في بعض الصحف أبحاثا علمية سياسية في طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد، منها ما درسته، ومنها ما اقتبسته غير قاصد بها ظالما بعينه، ولا حكومة مخصصة، إنما أردت بذلك تنبيه الغافلين لمورد الداء الدفين، عسى أن يعرف الشرقيون أنهم المتسببون لما هم فيه، فلا يعتبون على الأغيار، ولا على الأقدار ... ثم أضفت إليها بعض زيادات، وحولتها إلى هيئة الكتاب».
وقد اقتبس فيه كثيرا من أقوال «ألفيري»، ولا أعرف كيف وصلت إليه، وألفيري “Alfieri Vittoria” ، كاتب إيطالي عاش من سنة (1749-1803م)، من بيت نبيل، وقد ساح في أوربا نحو سبع سنوات، ودرس كتب فولتير وروسو ومنتسكيو، وتشبع بآرائهم الحرة، وتعشق الحرية وكره الاستبداد أشد الكره، ووجه أدبه للتغني بالحرية ومناهضة الاستبداد، ينطق بذلك أبطال رواياته ويبثه في كتاباته؛ ولكن الكواكبي هضمها وعدلها بما يناسب البيئة الشرقية والعقلية الإسلامية، وزاد عليها من تجاربه وآرائه.
2
وكتاب «طبائع الاستبداد» يدور حول تعريف الاستبداد بأنه «صفة للحكومة المطلقة العنان، التي تتصرف في شئون الرعية كما تشاء بلا خشية حساب ولا عقاب». ويأتي هذا من كون الحكومة مطلقة التصرف لا يقيدها قانون ولا إرادة أمة، أو أنها مقيدة بنوع من ذلك، ولكنها تملك بنفوذها إبطال هذه القيود والسير على ما تهوى. والحكومات ميالة بطبعها إلى الاستبداد، لا يصدها عنه إلا وضعها تحت المراقبة الشديدة ومحاسبتها محاسبة لا تسامح فيها، وإلا قوة الرأي وعظمة سلطانه .
والمستبد يتحكم في شئون الناس بإرادته لا بإرادتهم، ويحكم بهواه لا بشريعتهم، ويعلم من نفسه أنه الغاصب المعتدي، فيضع كعب رجله على أفواه الملايين من الناس، يسدها عن النطق بالحق ومطالبتها به.
والمستبد عدو الحق، وعدو الحرية وقاتلها.
والمستبد يود أن تكون رعيته بقرا تحلب، وكلابا تتذلل وتتملق، وعلى الرعية أن تدرك ذلك فتعرف مقامها منه: هل خلقت خادمة له، أو هي جاءت به ليخدمها فاستخدمها؟ والرعية العاقلة مستعدة لأن تقف في وجه الظالم المستبد، تقول له: لا أريد الشر، ثم هي مستعدة لأن تتبع القول بالعمل؛ فإن الظالم إذا رأى المظلوم يحمل سيفا لم يجرؤ على ظلمه.
وقد بحث بحثا مستفيضا في علاقة الاستبداد بالدين، ونقل عن الفرنج رأيهم في أن الاستبداد في السياسة متولد من الاستبداد في الدين أو مساير له. فكثير من الأديان تبث في نفوس الناس الخشية من قوة عظيمة لا تدرك كنهها العقول، وتهددهم بالعذاب بعد الممات تهديدا ترتعد منه الفرائص، ثم تفتح بابا للخلاص والنجاة بالالتجاء إلى الأحبار والقسس والمشايخ، بالذلة لهم، والاعتراف أمامهم، وطلب الغفران منهم. والمستبدون السياسيون يتبعون هذه الطريقة، فيسترهبون الناس بالتعالي والتعاظم، ويذلونهم بالقهر والقوة وسلب الأموال، حتى لا يجدوا ملجأ إلا التزلف لهم وتملقهم! وعوام الناس يختلط عليهم في أذهانهم الإله المعبود والمستبدون من الحكام، فيتشابه عندهم استحقاق التعظيم، وتنزههم عن سؤالهم عما يفعلون، ولا يرون لهم حقا في مراقبتهم على أعمالهم، كما أنه ليس لهم حق في مراقبة الله فيما يفعل!! ولهذا خلعوا على المستبد صفات الله كولي النعم، والعظيم الشأن، والجليل القدر، وما إلى ذلك! وما من مستبد سياسي إلا ويتخذ له صفة قدسية يشارك فيها الله أو تربطه برباط مع الله ولا أقل من أن يتخذ بطانة من أهل الدين يعينونه على ظلم الناس باسم الله!!