كانت عظمته في ذكائه وقوة لسنه. قال فيه المرحوم أحمد باشا تيمور: «كان شهي الحديث، حلو الفكاهة، إذا أوجز ود المحدث أنه لم يوجز. لقيته مرة في آخر إقاماته بمصر فرأيت رجلا في ذكاء إياس، وفصاحة سحبان، وقبح الجاحظ. أما شعره فأقل من نثره، ونثره أقل من لسانه، ولسانه الغاية القصوى في عصرنا هذا».
وكان السيد جمال الدين يعجب بقوة حجته في المناظرة والجدل، وسرعة بديهته، وشدة عارضته، ووضوح دليله، ووضعه الألفاظ وضعا محكما بإزاء معانيها إن خطب أو كتب.
ثم هو شجاع لا يخاف؛ يلذه مواجهة العظماء ومنازلة الكبراء في غير خوف ولا وجل، إلى تواضع مع العامة ومضاحكتهم ومؤانستهم وملاطفتهم، لا يعبأ بالقوة ولا يخاف البطش، فإذا نازل أحدا وسلط عليه لسانه كانت الكارثة.
نازل الخديو توفيق والاحتلال، وأبا الهدى الصيادي، ولكل جاهه وسلطانه الذي أذل أعناق الكثيرين، كل ذلك وهو فقير يعيش من يده إلى فمه، ما أتاه أتلفه، وما وصل إلى يده بدده، معتمدا على ربه الذي يرزقه كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا.
ضعيف الجسم كثير العلل، وربما كان ذلك هو السبب في موت أولاده جميعا في طفولتهم، فقد رزق قبل الاختفاء بمحمد، وعثمان، وإلياس، وفاطمة وعائشة، وسكينة وخديجة. كما رزق أيام الاختفاء بحفصة، وريا. وكلهم لم يعش طويلا. ومع هذا فهو - على مرضه - دائب العمل دائم الحركة.
لا يعتريه كلل ولا ملل. يود أن يخلد اسمه بالعمل، بعد أن حرم تخليد اسمه بالولد.
أعد نفسه بالخبرة والتجربة في كل شيء حوله. فكان كما حدث عن نفسه: «أخذت عن العلماء، وجالست الأدباء، وخالطت الأمراء، وداخلت الحكام، وعاشرت أعيان البلاد، وامتزجت برجال الصناعة والفلاحة والمهن الصغيرة، وأدركت ما هم فيه من جهالة، ومم يتألمون، وماذا يرجون. وخالطت كثيرا من متفرنجة الشرقيين، وألممت بما انطبع في صدروهم من أشعة الغربيين. وصاحبت جما من أفاضل الشرقيين المتعلمين في الغرب، ممن ثبتت أقدامهم في وظيفتهم. وعرفت كثيرا من الغربيين ورأيت أفكارهم عالية أو سافلة فيما يختص بالشرقيين، والغاية المقصودة لهم، واختلطت بأكابر التجار، وسبرت ما هم عليه من السير في المعاملة أو السياسة. وامتزجت بلفيف من الأجناس المتباينة جنسا ووطنا ودينا، واشتغلت بقراءة كتب الأديان على اختلافها، والحكمة والتاريخ والأدب، وتعلقت بمطالعة الجرائد مدة، واستخدمت في الحكومة المصرية زمنا. واتجرت برهة. وفلحت حينا. وخدمت الأفكار بالتدريس وقتا، وبالخطابة والجرائد آونة - واتخذت هذه المتاعب وسائل لهذا المقصد الذي وصلت إليه بعناء كساني نحول الشيخوخة في زمن بضاضة الصبا، وتوجني بتاج الهرم الأبيض بدل صبغة الشباب السوداء، فصورتي تريك هيئة أبناء السبعين، وحقيقتي لم تشهد من الأعوام إلا تسعة وثلاثين».
وربما كان أعظم شيء فيه ثباته على مبدئه، باع نفسه لأمته حسبما يعتقد الخير لها، ولم يتحول عن ذلك على كثرة من تحول في مثل مواقفه. هؤلاء زعماء الثورة العرابية حاولوا أول أمرهم أن ينكروا ما فعلوا. فلما لم ينفعهم إنكارهم وعوقبوا عادوا وخضعوا، وعاشوا في مسالمة ومهاودة. أما هو فلم ينكر ما قال، ولقي في مخبئه الأهوال. وكان جديرا بمن لقي ذلك كله أن يهدأ، وإذا هدأ فلا لوم عليه. ولكنه ظل يجاهد، وينفى فيجاهد، ويعفى عنه فيجاهد، ويحذر فلا يحذر، ويطمع فلا يطمع، حتى لقي مولاه. رحمه الله.
| زعماء الإصلاح الإسلامي في العصر الحديث: السيد عبد الرحمن الكواكبي
1265-1320ه / 1848-1920م
1
من بيت في «حلب» يعتز بنسبه وحسبه وعلمه وجاهه وماله؛ فأسرة الكواكبي كانت فيها نقابة الأشراف في حلب، ولها مدرسة تسمى المدرسة الكواكبية، وأبوه أحد المدرسين في الجامع الأموي بحلب والمدرسة الكواكبية فيها.