كم له من ضحايا في السجون، وفي أعماق البحار، وفي ذل الفقر، وفي بؤس المنفى. تتملقه الأمراء، وتهابه العظماء، وكم أنفذ أمره وأبطل أمر السلطان.
وكم تدلل على عبد الحميد فاسترضاه، وبالغ في المطالب فأوفاه!!
هذا أبو الهدى الصيادي الذي لم يتحرز عبد الله نديم أن يخاصمه وينازله، ويطلق فيه لسانه. ووضع فيه كتابا سماه «المسامير». لم ينشر في حياته، وهو كتاب لا يشرف الصيادي ولا عبد الله نديم؛ لأنه استعمل فيه أسلوبا أشبه بأسلوب المرأة «الغجرية» في أحط الحارات، هو أسلوب أقذر من أسلوب جريدة «حمارة منيتي»، و«السيف»، و«الصاعقة». وما إلى ذلك من الجرائد المقذعة في الهجاء، والتي حمدنا الله على الخلاص منها برقي ذوقنا. فسامحه الله فيما فعل.
وبلغ أبا الهدى أمر هذا الكتاب، فأبلغ السلطان عبد الحميد أن فيه أيضا هجاء له، فبحث عنه طويلا من غير جدوى، واستطاع «جورج كرتشي»، الذي كان متصلا بالسيد جمال الدين و«النديم»، أن يحتفظ به ويخفيه ويفر به إلى مصر، ثم يطبعه.
لم تطل حياة «النديم» في الأستانة طويلا، فقد أصيب بالسل، واشتدت عليه العلة، فمات في العاشر من أكتوبر سنة (1896م)، واحتفل بجنازته احتفالا كبيرا مشى فيه السيد جمال الدين - الذي لحقه إلى ربه بعد أشهر - ودفن في مدفن يحيى أفندي في «باشكطاش»، وكانت أمه وأخوه قد علما بشدة مرضه، فسافرا إليه، ولكن لم يدركاه إلا ميتا، ووجدوا متاعه وأثاثه وكل شيء له قد نهب؛ فعادا وليس في يدهما إلا الحزن والأسى.
مات في نحو الرابعة والخمسين من عمره، فلم يكن بالعمر الطويل، ولكنه عمر عريض، فطالما غذى الناس بقلمه، وهيجهم بأفكاره، وأضحكهم وأبكاهم، وخير رجال الشرطة، وأقلق بال رجال السياسة، ونازل خصومه من رجال الصحافة، فنال منهم أكثر مما نالوا منه، ولم يهدأ له لسان ولا قلم حيث حل، ولا على أي حال كان؛ حتى هدأه الموت الذي يهدئ كل ثائر.
مهما أخذ عليه فقد كان عظيما!!!
فتح للناس في جريدته «التبكيت والتنكيت» و«الأستاذ» أبوابا من الإصلاح الاجتماعي كانت مغلقة في التعليم والزراعة، واللغة والصناعة، والانحلال الخلقي، وما إلى ذلك، فسار المصلحون على أثره.
وكانت الجرائد المعروفة في عهده «المقطم»، و«الأهرام»، و«المؤيد»، و«النيل»، وكان لها ثلاثة اتجاهات: منها ما يسالم الاحتلال ويؤيده، ومنها ما يؤيد الحركة الوطنية ومن ورائها السياسة الفرنسية؛ ومنها ما يؤيد الحركة الوطنية والنزعة الإسلامية والارتباط بالدولة العثمانية، وكل منها يعرض وجهة نظره في شيء من الهدوء والرزانة والوقار. فلما طلع «الأستاذ» دعا إلى أن مصر للمصريين، لا لتركيا ولا للأوروبيين، وناصر الحركة الوطنية والالتفاف حول الخديو أمير البلاد، ودعا الذين غلبهم الخوف بعد الاحتلال أن يبرزوا من مكامنهم ويمسحوا الخوف عنهم، ويتصلوا بالجمهور ليوقظوه، ودعا إلى تأليف الأحزاب حتى يكون لكل جريدة حزبها، ولكل حزب برنامجه. ولم يسلك سبيل الهدوء كما سلكه معاصروه، بل زاد في الطنبور نغمة، وزادت النغمة حدة، والحدة منه استتبعت الحدة من الجرائد الأخرى، والغضب يبعث الغضب؛ والصوت العالي ينبه الأفكار، ويوقظ النائم، فكان في الجرائد لون جديد شديد قوي، يميز بعضها عن بعض في وضوح وجلاء. وكانت هذه الحدة وهذا الجدل المتتابع في المسائل العامة أكبر موقظ للرأي العام النائم يفهمه موقفه وما يضره وما ينفعه، وأي غاية يريد منه هؤلاء وهؤلاء، ومواطن ضعفه، وكيف السبيل إلى قوته، وللنديم الفضل الكبير في ذلك.
وكانت جريدة «الأستاذ» هي الأستاذ لمصطفى كامل، تعلم منها الاتجاه والنغمة، وإن اختلفا من حيث الثقافة والأسلوب بحكم الزمن والأحداث والظروف.
نعم كان في «النديم» شيء من التهريج كالذي رأينا قبل. وكان من تهريجه أنه كان في أول أمره يرتدي الثياب الإفرنجية، فلما ظهر بعد الاختفاء لبس الجبة والقفطان، واعتم بعمامة خضراء، وادعى أنه شريف إدريسي ينتسب إلى الحسن بن علي، وكثير من الواقفين على الحقيقة ينكر ذلك،وربما دعاه إلى هذا شعوره بمركب النقص، من حيث نشأته الفقيرة المتواضعة، وما مرن عليه من التصنع أيام الاستخفاء، وحالة الوسط الذي عاش فيه من أنه لا يمجد إلا ذا الثراء أو ذا الحسب - ومع هذا فالعظيم يقدر بكله لا ببعضه.