دخل الأستانة، فدخل القفص الذي دخل في مثله جمال الدين الأفغاني، وغاية الأمر أن قفص جمال الدين ضيق من ذهب، وقفص النديم واسع من حديد، يختلفان بمقدار الخطر من كل منهما ومكانته وحسبه ونسبه، فالسيد جمال الدين يخصص له بيت فخم، ويجعل تحت أمره عربة وخدم وحشم، ويجرى عليه 75 ليرة في الشهر، وتعرض عليه مشيخة الإسلام فيأبى، وعبد الله نديم يعين مفتشا للمطبوعات بخمسة وأربعين ليرة، ولا بيت ولا خدم - ولا غرو؛ فالسيد جمال الدين سيد في طبعه وحسبه ونسبه، كان يعد نفسه قرينا للشاه والسطان، لا يقل عنهما إلا بما شاء القدر من تحليتهما بالملك وعطله منه، وعبد الله نديم يرى أنه من الشعب وابن الشعب وخادمه، لا يمتاز إلا بما منحه الله من ذكاء ولسن. إذا دعا السيد جمال الدين إلى الإصلاح شعر بأنه يخطب الناس من أعلى مكان يشرف عليهم، وهو غضوب وقور؛ وإذا دعا «النديم» شعر بأنه واقف في وسطهم يضحك لهم ويضحك منهم ويصلحهم. ولهذا كان جمال الدين جليلا يسمع لقوله في رهبة وخشية، وينصح الناس وكأنه يضربهم بالسياط، وكان النديم محبوبا يقابل بالابتسام، ويقبل قوله في فرح ومرح؛ ولذلك كان أسف الناس في مصر على فراق النديم أكثر من أسفهم على فراق جمال الدين؛ لأن سؤدد جمال الدين في الخاصة وسؤدد النديم في العامة.
وعجيب أن يقبل «النديم» «وظيفة» مفتش للمطبوعات وهو الذي كان يتعب دائما إدارة المطبوعات؛ وأن يرضى أن يتحكم في الصف، وهو الذي كان يأبى أن يتحكم فيه أحد؛ وأن يرضى أن يكون أداة لتقييد الحرية، بعد أن كان داعية لتأييد الحريه!! ولكن يخفف من هذا أن «الوظيفة» كانت صورة محضة، وكان الغرض منها أن يمنح الخمس والأربعين ليرة في مظهر غير وضيع.
ها هو في الأستانة قد عطلت كل مواهبه؛ فلا خطابة ولا كتابة، ولا تهييج ولا تحميس، وهو في وسط يكاد يختنق منه، لا يفرج عنه إلا مجلس السيد جمال الدين، يحادثه ويسامره، وكل يشكو إلى صاحبه قفصه.
ولكن أنى لصاحب هذا اللسان أن يهدأ؟!
لقد وقع في الخصومة مع أبي الهدى الصيادي، كما وقع فيها معه السيد جمال الدين؛ ولكن السيد عف اللسان في الخصومة الشخصية، أما «النديم» فويل لمن عاداه.
كان أبو الهدى عجبا من العجب، إذا أرخت الدولة العثمانية في عهد عبد الحميد احتل كثيرا من صفحات تاريخها، وكان مستترا وراء الصفحات الباقية، يرون اسمه في كل أنحاء المملكة من مصر وسوريا والعراق وتونس والجزائر، ويتقرب إليه الولاة في حل كل عظيمة - أثبت به القدر أنه على كل شيء قدير.
سوري من حلب، فقير المال والحسب، دفعته المقادير إلى الأستانة، وكان ماهرا ذكيا وسيم المحيا، ماضي العزيمة، قادرا على معرفة نفوس الناس ومن أين تؤتى، فتغلب على عقل السلطان عبد الحميد بأحلامه وتفسيراته، والطرق ومشيختها، فربط نسبه بأعلى نسب، فهو قرشي هاشمي علوي، وهو في الطريقة رفاعي له الأتباع الكثيرون، لا يعبأ بالمال يأتيه على كثرة فينفقه ويستدين؛ لأن عز الجاه والسلطة عنده أقوى من عز المال.
له أعين تأتي له بكل الأخبار، فيستغلها أمهر استغلال. لم يقف عند الدين والولاية والصوفية، بل مد نفوذه إلى الشؤون السياسية والإدارية والعسكرية. يحلم فلا حد لحلمه، ويبطش فلا حد لبطشه. سمي «مستشار الملك»، «وحامي العثمانيين» و«سيد العرب» استمال كثيرا من الأمراء والوجهاء والأعيان والعلماء والأدباء. فكانوا عونا له على كل ما أراد. يبطش بهم حين يريد البطش، ويؤلف بهم الكتب حين يريد شهرة العلم. وينظم بهم القصائد حين يريد الأدب والشعر، إلى كرم وسماحة وحسن حديث.
الدنيا كلها يجب أن تسخر لشخصه، وأن تخضع لأمره. والحق ما أتى من طريقه، والباطل ما أتى من طريق غيره - عدو كل إصلاح، وخصيم كل حر.