إذا ما الدهر صافانا مرضنا
فإن عدنا إلى خطب شفينا
لنا جلد على جلد يقينا
فإن زاد البلاد زدنا يقينا
إذا ما المجد نادانا أجبنا
فيظهر حين ينظرنا حنينا
يغنينا فيلهينا التغني
عن الباكي وينسينا الحزينا
ولسنا الساخطين إذا رزئنا
نعم يلقى القضا قلبا رزينا
إذا طاش الزمان بنا حلمنا
ولكنا نهينا أن نهينا
وأخيرا طلب اللورد كرومر من الخديو عباس نفيه فأطاع، ولم يستطع أن يحمي من كان يحميه، وودع «الأستاذ» قراءه في آخر عدد منه صدر في 13 يونيه سنة 1893. فكان عمره أقل من عام؛ ولم يذكر في وداعه السبب الحقيقي الذي من أجله أغلق «الأستاذ» ونفي صاحبه، بل قال: إن سبب ذلك المرض وحاجته إلى الاستشفاء؛ وقال في آخر وداعه: وما خلقت الرجال إلا لمصابرة الأهوال، والعاقل يتلذذ بما يراه في فصول تاريخه من العظم والجلالة، وإن كان المبدأ صعوبة وكدرا في أعين الواقفين عند الظواهر، وعلى هذا فإني أودع إخواني قائلا:
أودعكم والله يعلم أنني
أحب لقاكم والخلود إليكم
وما عن قلى كان الرحيل وإنما
دواع تعدت فالسلام عليكم
وكان ينشر ملحقا «للأستاذ» صفحات من كتاب ألفه وهو في المخبأ اسمه «كان ويكون»، جمع فيما بعد ولم يتم - مع الأسف - نشره. كان يريد من تدوينه عرض خلاصة أفكاره الدينية واللغوية والسياسية والأدبية والتاريخية والإنسانية، ملتزما فيه حرية الفكر، وعدم التعصب لدين أو جنس، ذاكرا فيه ما شاهده في مصر من أحداث، مبينا ما وراءها من علل.
ووضعه على نمط قصصي، إذ كان له صديق فرنسي أتى من باريس قبيل الثورة العرابية، وتعلم العربية والتركية، وأقام في مصر متتبعا حوادثها، وعرف عبد الله نديم في الإسكندرية سنة 1292 هجرية وتوثقت بينهما الصلة، وكان له عزبة قريبة من البلدة التي اختبأ فيها «النديم»، فاتصل به في مخبئه. وكان الفرنسي يزوره ويخدمه في قضاء أغراضه، وكثيرا ما يدور الحديث بينهما في الدين والسياسة، فبنى كتابه «كان ويكون» على هذا، ودون فيه ما كان يدور بينهما من حديث وجدل، وأكثر ما نشر كان في أصول الأديان، وتاريخ اليهودية والمسيحية والإسلام، يتخلل ذلك بعض أخبار عن أحواله في مخبئه، وبعض نظرات سياسية. ومما يؤسف له أن إقفال جريدة «الأستاذ» حال بينه وبين نشر القسم السياسي والتاريخ المصري من الكتاب؛ وما نشر عنه يدل على نظر عميق واطلاع واسع، وسماحة دينية لطيفة، وعاطفة جياشة بحب الخير لمصر والشرقيين.
6
خرج «النديم» إلى يافا، حيث كان قبل العفو عنه، ورتبت له الحكومة المصرية خمسة وعشرين جنيها شهريا يعيش بها، على شرط ألا يكتب شيئا في الجرائد يتصل بسياسية مصر.
وما لبث أربعة أشهر في يافا حتى وشى به الوشاة بأنه يطعن في سياسة الدولة العلية ويلمز السلطان، فصدر الأمر بإبعاده أيضا.
فها هو يذرع الأرض لا يعرف أين يستقر، فلا مصر تقبله ولا أي أرض من أراضي الدولة العثمانية تحله، ونزل بالإسكندرية أياما حتى تحل مشكلته.
وقد كان كثير من أحرار العثمانيين إذ ذاك قد سافروا إلى أوروبا ومصر، وأنشئوا الجرائد يطالبون بالدستور وبإصلاح الدولة، وينقدون السلطان نقدا مرا، فكان من سياسة عبد الحميد في بعض الأوقات أن يسترضي هؤلاء الناقمين، ويحبب إليهم الإقامة في الأستانة تحت سمعه وبصره، ويجري عليهم الرزق الواسع، ويسند إليهم بعض المناصب فيتقي أذاهم ويستجلب رضاهم، فاحتشد في الأستانة من أرباب العلم واللسان عدد كبير، منهم السيد جمال الدين الأفغاني وغيره من أدباء الترك وشعرائها وساستها، فكان أن الغازي مختار باشا أشار على الدولة العلية أن تعامل عبد الله نديم هذه المعاملة فقبلت. وسافر إلى الأستانة، وصدرت الإرادة السلطانية بتعيينه مفتشا للمطبوعات بالباب العالي بمرتب 45 جنيها مجيديا، مضافة إلى الخمسة والعشرين التي يتقاضاها من مصر - ينفق كل ذلك على نفسه وإخوانه، ومن يبره من أهله وأقاربه، ومن أيام المنصورة عرف بأنه صناع القلم واللسان، أخرق اليد.