في كل ذلك كتب «عبد الله نديم» في الأعداد الأولى من «الأستاذ» - ووجد النفوس مستعدة لهذه الدعوات كأنها حائرة تنتظر الدليل، ضالة تلتمس الهادي؛ فانتشر «الأستاذ» انتشارا فاق ما كان يتوقع، فقد كان يطبع منه حول ثلاثة آلاف، كأكبر جريدة يومية إذ ذاك، وأعيد طبع الأعداد الأولى منه.
وقد حاول مرة أن يحرر الجريدة كلها باللغة العربية الفصحى، فأتته رسائل الاحتجاج الكثيرة تذكر له خطأه؛ لأن المرأة تسمع مقالاته في بيتها، والعامي يسمعها وهو في مصنعه ومتجره، والفلاح في حقله، وكلهم يستفيد من نقده، وكثير يتعظ بنصحه؛ فنزل على رأيهم، وأعادها كما كانت عربية فصيحة في بعضها، عامية في بعضها.
ثم نرى نغمته تعلو شيئا فشيئا في الميدان السياسي، ومناصرة الحركة الوطنية، ومؤازرة الخديو عباس، ومناهضة الاحتلال، حتى نراه في العدد الصادر في 17 يناير سنة 1893 يظهر قويا واضحا في هذا الاتجاه الوطني، ويفتتح العدد بمقال جريء عنوانه: «لو كنتم مثلنا لفعلتم فعلنا»، وهي كلمة كانت تتردد في بعض الصحف الأوربية يخاطبون بها الشرقيين، ويقع المقال في ست وعشرين صفحة من أقوى ما يكتب، يصف فيها حالة الغرب وحالة الشرق ووسائل الاستعمار، وما إلى ذلك، ويندد بالغربيين في أساليبهم، وبالشرقيين في غفلتهم، ويشرح ما تفعل الأمم الغربية لرقيها، وما تنشره في أمم الشرق لانحلالها، وما يفعله المصريون في تخاذلهم وتواكلهم، ويدعو إلى الالتفاف حول الخديوي ومطالبته بالمحافظة على حقوقه الشرقية، ويختم المقال بقوله: «وبالجملة فقد بلغ السيل الزبى - فإن رفأنا هذا الخرق، وشددنا أزر بعضنا، وجمعنا الكلمة الشرقية، مصرية وشامية وعربية وتركية، أمكننا أن نقول لأوربا: نحن نحن، وأنتم أنتم، وإن بقينا على هذا التضاد والتخاذل واللياذ بالأجنبي فريقا بعد فريق، حق لأوربا أن تطردنا من بلادنا، وتصدق في قولها: «لو كنتم مثلنا لفعلتم فعلنا».
واستمر على هذه النغمة كذلك في الأعداد التالية. والمطلع على الحوادث التي كانت تجري في تلك الأيام، يرى أن علو هذه النغمة كانت صدى لما يحدث من أزمات. ففي هذه الأيام بعينها اشتد الجفاء بين الخديو عباس واللورد كرومر؛ ففي 15 يناير سنة 1893 أقال الخديو مصطفى باشا فهمي ، منتهزا فرصة مرضه، وعهد إلى حسين فخري باشا بتشكيل الوزارة، فعارض اللورد كرومر في أن تعين الوزارة من غير أخذ رأيه، واشتد الأخذ والرد، وأنذرت إنجلترا الخديوي إنذارا شديدا، وانتهت المسألة باستقالة حسين فخري وتعيين رياض باشا حسبما أشار اللورد كرومر. وانتشر الخبر في الشعب، فأقبلت الوفود على الخديوي في 18 يناير تلقي الخطب في تأييده في موقفه، وظهر أثر ذلك واضحا في الجرائد التي تناصر الحركة الوطنية، فكان هذا هو السبب فيما نرى من حرارة مقالات النديم في تلك الأيام وما بعدها، ومناصرته للخديو، ومنازلته للجرائد المخالفة في قوة ووضوح.
وهو - مع هذا - يتوسع في اقتراحات الإصلاحات الاجتماعية، فينقد علماء الأزهر في انزوائهم وعدم معرفتهم بالدنيا وما يجري فيها، ويضع برنامجا واسعا لإصلاح الأزهر، والزراعة في مصر وتأخرها، ووجوب إصلاحها على أساس علمي صحيح، وفوضى اللغة العربية، ووجوب إنشاء مجمع يحفظ كيانها ويكمل نقصها، والخرافات والأوهام، والطرق الصوفية وما يجري فيها من مخاز وعيوب ... إلخ.
ثم علت نغمته طبقة أخرى، فأخذ ينقد الإنجليز صراحة في سياستهم في الهند ومصر، ويسب من يلوذ بهم، ويهيج الناس على المبشرين وطرق التبشير، ويقول: إن السياسة تؤيدهم وتلعب ألاعيبها من ورائهم، فتألبت عليه الجرائد المخالفة له في مذهبه من إنجليزية وعربية وحذرت منه، وقالت: إنه يعد البلاد لفتنة بين المسلمين وغيرهم، وبين المصريين بعضهم وبعض، ويحرك الضغائن بين المصريين والأجانب، ويهيئ لثورة كالثورة العرابية، ونصحت أولي الأمر من الإنجليز أن يأخذوا حذرهم منه، وإلا ساءت العاقبة. وشهرت به بعض الجرائد الإنجليزية كالتيمس، والديلي نيوز، وقالت: إنه متعصب للدين، مقبح لجميع أعمال الأوربيين، وإنه ثوري مهيج، وأيدتها المقطم، ودافع عنه المؤيد والأهرام والوطن وبعض الجرائد الفرنسية؛ ولم يأل هو جهدا في منازلة خصومه والتشهير بهم، وإعلان عدم المبالاة بما يجري له، فقد لاقى في العذاب ألوانا أيام اختفائه، فكل ما سيناله هين بالقياس إلى ما لقي، وأعاد نشر قصيدة له في ذلك كان قد أنشأها في مخبئه منها: