تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومنها عطف بعض الناس عليه، وإيمانهم بأن المروءة تقضي عليهم - وقد نزل بساحتهم - أن يخفوا أمره إذا علموا، وأن يساعدوه على الاختفاء مهما أغروا بالمال، كالذي كان من عمدة «العتوة» بمديرية الغربية، وهو الشيخ محمد الهمشري، فقد نزل عنده وعرفه بنفسه، فأكرم مثواه، وأقامه في داره ثلاث سنوات ونيفا، في مكان منعزل له باب خاص، وزوجه، وزوج خادمه، فلما توفي دعت زوجته أكبر أولادها، وقالت له: هل تطمع في المكافأة أم تكون كأبيك شهما تحفظ الجار وتحمي اللاجئ؟ فوعدها بأن يكون كأبيه في حفظه، ووفى بذلك، حتى أحس «النديم» بوشاية واش، فخرج من عندهم حامدا مروءتهم.

وصادفه مرة مأمور مركز شركسي، والنديم في تنقله بين البلاد، فعرفه، فصرف جنده ثم اختلى به، وقال: لا ضرورة لتنكرك فقد عرفتك، وأعطاه ما معه من نقود ورسم له خطة السير في طريقه حتى لا يضبط.

وكان في أول أمره شديد الحنين لأبيه وأمه وأخيه، لا يعرف ما صاروا إليه، شديد الشوق لمعرفة كتبه وتآليفه وأوراقه التي تركها في بيته بالإسكندرية، ماذا آل إليه أمرها، ثم وسط الصديق الفرنسي أن يتعرف كل ذلك ويأتيه بالأخبار، فعرف الفرنسي أن أسرته تشتتت والناس تنكروا لهم، والأرصاد وضعت حولهم، وأن أباه يقيم عند قريبة له في الريف وأن كتبه وتآليفه التي أنفق فيها تسعة عشر عاما، عندما ضربت الإسكندرية وهاجر منها أهلها وضعها أبوه في ثلاث صناديق كبار، وشحنها في عربة من عربات السكك الحديدية، فلما وصلت إلى كفر الزيات ازدحم على القطار المسافرون من المهاجرين ازدحاما هائلا، فلم يسع رجال المحطة إلا أن يرموا جميع ما بالعربة في النيل، ومنها هذه الصناديق الثلاثة وفيها كل ثروته العقلية.

ثم لما هدأت الأحوال وخف عنه الطلب كان يتصل بأبيه وأخيه اتصالا منتظما. وتأتي عليه أزمات ثم تنفرج، فهذا عيد الأضحى وهو في «برية المندرة» يسكن وسط الغيطان، لا يساكنه أحد إلا زوجته ، ولا يجد القوت الضروري، ويأتيه خادمه الذي يسكن بعيدا عنه يشكو له البؤس والفقر وعدم القوت في يوم العيد، فما هو إلا أن يبعث له رجل من أهل البر والمروءة بما يملأ بيته قمحا وعسلا وسمنا وشيتا وبفتة حتى القصب واليوسف أفندي، والأطلس والحرير للبس زوجته، ويبعث شيئا من ذلك للخادم وزوجته ... وأتيح له من الفراغ ما مكنه من إكمال نفسه بالدراسة والتأليف، فكان إذا اطمأن في قرية قرأ ما تصل إليه يده من الكتب، وكانت مكتبته في هذه الأيام مكتبة خفيفة يسهل حملها إذا دعا داعي الرحيل السريع: فكانت تفسير القرآن لأبي السعود، وقاموس الفيروز أبادي، و«الوافي» في المسألة الشرقية لأمين شميل، وجغرافية ملطبرون الذي ترجمه الشيخ رفاعة. وألف فيما يعن له في الدين والأدب والتاريخ، فكان هذا نعمة عليه لم يستطعها في أيامه الأولى. كتب لصديق له في هذه الفترة يقول: «إن سألت عني فأنا بخير وعافية، وحالة رائقة صافية، لا أشغل فكري بما يأتي به الليل إذا كنت بالنهار، ولا أتعب ذهني بتوالي الخطوب والأكدار، ولا أتألم من طول المدة ووقع الشدة؛ لاعتقادي أن لكل شدة مدة متى انتهت جفت الأوحال، وحسنت الحال؛ فتراني فكري كليمي، وقلمي نديمي - تارة أشتغل بكتابة فصول في علم الأصول، وأجمع عقائد أهل السنة، بما تعظم بها لله المنة، وحينا أشتغل بنظم فرائد في صورة قصائد، ووقتا أكتب رسائل مؤتلفة في فنون مختلفة، وآونة أكتب في التصوف والسلوك، وسير الأخبار والملوك، وزمنا أكتب في العادات والأخلاق وجغرافية الآفاق، ومرة أطوف الأكوان على سفينة تاريخ الزمان، ويوما أشتغل بشرح أنواع البديع في مدح الشفيع - وقد تم لي الآن عشرون مؤلفا بين صغير وكبير؛ فانظر إلى آثار رحمة الله اللطيف الخبير، كيف جعل أيام المحنة وسيلة للمنحة والمنة، أتراني كنت أكتب هذه العلوم في ذلك الوقت المعلوم، وقد كنت أشغل من مرضعة اثنين، وفي حجرها ثالث على كتفها رابع، وأتعب من مربي عشرة وليس له تابع، أشتغل بعض النهار بتحرير الجورنال، وأقضى ليلي في دراسة الأحوال، مشتغلا بمجالس الجمعيات الخيرية ومدارسها التعليمية، وزيارة الإخوان ومراقبة أبناء الزمان، وقد نسيت الأهل والعيلة، وربما نسيت الطعام يوما وليلة، فكنت كآلة يحركها البخار، لا سكون له ما دام الماء والنار، فمتى كنت أنظر للمخلفات وأكتب هذه المؤلفات؟

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٧٠٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٧٠٤