تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

4

انتهت الثورة العرابية بالفشل والهزيمة المنكرة، وكانت الهزيمة الخلقية أقسى من الهزيمة الحربية؛ فقد ذل أكثر قواد الحركة، وتحول عنهم أكثر من يناصرهم، وبدأت السعايات تدب، وكل من كانت له خصومة مالية أو عائلية سعى في الإيقاع بخصمه، باتهامه بعمل من أعمال الثورة، وامتلأت المجالس المشكلة للنظر في الدعاوى والتهم، وأخذ كثير ممن اشتركوا في الحركة يتبرءون مما قالوا وما فعلوا. ولئن استطاع كثير منهم أو حاول تبرئة نفسه، فعبد الله نديم ليس بمستطيع شيئا من ذلك، فخطبه لا ينساها أحد، وأقواله مسجلة عليه في جريدة «الطائف»، فلا بد إذا حوكم أن يحكم عليه بأشد العقوبات التي ستوقع على الزعماء، وكان أغلب الظن أنها الإعدام.

لقد فكر عرابي هو ومن معه أن يطلبوا العفو من الخديو، وكتبوا رسالة وبعثوها مع وفد إلى الإسكندرية لتقديمها إليه، ثم بدا لهم أن يغيروا بعض نصوصها، فبعثوا بصيغة أخرى مع عبد الله نديم؛ فلما وصل إلى كفر الدوار علم أن الخديو رفض العريضة الأولى، وأمر بالقبض على بعض رجالها، فعاد «النديم» إلى القاهرة وأيقن بالهلاك، فأعد العدة للهرب والاختفاء، وإذا به «فص ملح وذاب». تجد الحكومة وتضع له الأرصاد، وتوجه كل قوة للبحث عنه؛ ويبعث كل من سلطان باشا ورياض باشا منشورا لرجال الإدارة بالجد والنشاط للعثور عليه، وتعلن مكافأة ألف جنيه لمن يرشد عنه، والعقوبة القصوى لمن يخفيه، فيذهب كل ذلك سدى نحو عشرة أعوام، وهو في كل أموره يحتال حيلا أين منها حيل أبي زيد السروجي في مقامات الحريري، ويمثل روايات أين منها الروايات البوليسية المعروفة.

لقد أعيا الحكومة أمره، فأصدرت عليه حكما غيابيا بالنفي المؤبد من القطر المصري. ها هو أول أمره يذهب إلى بولاق ويختفي عند صديق له وفي أياما، حتى يخف عنه الطلب، فيخرج وقد لبس «زعبوطا» أحمر، واعتم بعمامة حمراء، وربط عينيه بمنديل وأطال لحيته، وأمسك بيده عكازا طويلا، وتصنع أنه من مشايخ الطرق ونزل في سفينة مع خادمه إلى بنها، فلم يفطن له أحد.

وجزع خادمه وكان أميا، وأراد أن يرجع إلى أهله، فأيقن «النديم» أنه إذا عاد انكشف أمره، فأخذ يقرأ الجريدة يوما، ثم فزع قائلا: «لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم»، فسأله الخادم عما أفزعه، فقال «النديم»: إن الحكومة قد جعلت لمن يرشد عني ألف جنيه، ولمن يأتيها برأسك خمسة آلاف. فخاف الخادم، وأخذ يبالغ في التنكر أكثر من سيده، واستراح من هذا الباب، وظل معه طول مدة الاختفاء، وقال هو عن نفسه في هذه الفترة: «خرجت من مصر مختفيا فدرت في البلاد متنكرا، أدخل كل بلد بلباس مخصوص، وأتكلم في كل قرية بلسان يوافق دعواي التي أدعيها، من قولي: إني مغربي أو يمني أو مدني أو فيومي أو شرقاوي أو نجدي؛ وأصلح لحيتي إصلاحا يوافق الدعوى أيضا؛ فأطيلها في مكان عند دعوى المشيخة، وأقصرها في آخر عند دعوى السياحة - مثلا - وأبيضها في بلد، وأحمرها في قرية، وأسودها في عزبة». فأحيانا كان اسمه الشيخ يوسف المدني، وأحيانا الشيخ محمد الفيومي، وأحيانا سي الحاج علي المغربي، وهكذا، وأحيانا كان يجتمع بمن يعرفهم فكانوا يعجبون لأن المقدرة مقدرة النديم، ولكن يختلف في الشكل والصوت واللهجة، فيقولون: «سبحان الله جل من لا شبيه له».

وساعد على نجاحه في هذا الاختفاء أمور، منها: مهارته في حيله، وإتقانه لما يدعي؛ فإذا ادعى أنه مغربي تكلم بلسان مغربي محكم، أو مدني فكذلك. ادعى مرة - وهو في القرشية - أنه عالم يمني، وذاعت شهرته في العلم والأدب حتى بلغت القاهرة، فأرسل إليه رياض باشا «سعد زغلول»؛ ليسأله عن معنى مثل ورد ذكره في بعض الجرائد ولم يفهم معناه، فقابله على أنه عالم يمني وفسره له.

2

وكان من مهارته في اختفائه أنه رأى جد الحكومة في طلبه، فاستعان برجل من الفرنسيين يعرفه ويثق به فأشاع عنه أن النديم هرب إلى «ليفورنو» في إيطاليا، ونقلت هذا الخبر جريدة الأهرام، وصدق الناس ذلك، وعنفت الحكومة رجال الضبط على إهمالهم حتى تمكن من الخروج، فخف عنه الطلب، ولم يكن كل ذلك إلا خدعة. وكتب صاحب جريدة المحروسة مرة بعد اختفائه بسنتين: «إنه قد تعددت الأقوال في مقر عبد الله نديم، فمن قائل: إنه التجأ إلى البلاد الإيطالية، ومن قائل: إنه فر إلى طرابلس الغرب، ومن زاعم أنه أتى السودان واتصل بالمهدي وصار له نديما، وقال قوم: إنه سارع في السفر إلى «سيلان» للاجتماع بعرابي. والحقيقة فيما نعلم أنه أتى باريس في الأيام الأخيرة ، ونشر فيها مقالة أتى فيها على ذكر الحرب العرابية، وندد بالمصريين، ونسب إليهم الضعف والجبن» ... إلخ.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٧٠٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٧٠٣