ولو أن نار مصيبتي
في الغير أصلاه الزفير
لكنها في ساحة
من فوقها جو مطير
هو صدق إيماني وص
بري للقضاء بلا نكير
ووقوف جيش عزيمتي
في باب مولاي البصير
وكان في رحلته برا بخادمه «حسين» الذي غير اسمه فسماه «صالحا»، وزوجه، وعلمه القراءة والكتابة، وحفظه جملة سور من القرآن، وعلمه مبادئ الفقه والتوحيد، واتخذه صاحبا.
وتواردت عليه أيام بؤس ومحن يشيب منها الوليد، تغضب عليه زوجته وتلطمه على فمه حتى تكاد تسقط ثناياه، وربما رأى - مع هذه الحال - أن إظهار نفسه للحكومة أهون عليه، ثم يترضاها ويصالحها، وأحيانا تتخاصم زوجته مع زوجة خادمه وتشتد الشحناء، وتهدده كلتاهما بأن تفضح أمره، فيتدارك كل ذلك بحيلة، وأحيانا يشعر بالخطر يهدده فيشتد في الحذر والاختفاء، حتى لقد اختفى مرة في قاعة مظلمة لا يتوصل إليها إلا من سرداب طويل مظلم، يرشح الماء من أرضها لقربها من ترعة، ولا يتمكن من القراءة والكتابة إلا على مصباح صغير يضاء بالجاز يملأ الحجرة دخانا، ويستمر فيها نحو تسعة أشهر، وأحيانا يبلغ به سوء الحال مع الرغبة الشديدة في الكتابة أن يصنع الحبر من هباب الفرن، ويضيف إليه بعض قرظ السنط، ويتخذ أقلامه من الحجناء. وهو على كل ذلك صبور، يعزيه أن يجد من أهل المروءة ما يخفف كربه، ويضمد جرحه، «فمحمد معبد» الحلاق «بشباس الشهداء» يؤويه في بيته، ويغمره بفضله، وينفق عليه ما يحرم منه أسرته، و«أحمد جودة» الفلاح بالبكاتوش يصاحبه في انتقالاته في الظلام الحالك، ويعرض نفسه من أجله للمخاطر.
لشد ما أتعب نفسه في اختفائه، وأتعب الناس معه، ولكن ما أكثر ما أمتعهم أيضا بأحاديثه وفكاهاته ووعظه وسمره.
وأخيرا نزل «بالجميزة»، فعرفه عمدتها وكتم أمره، ولكن رجلا كان اسمه حسن الفرارجي - كان جنديا ثم استخدم جاسوسا - عرفه، فكتب إلى السراي وإلى الداخلية، فأمرت بالقبض عليه، وذهب وكيل حكمدار الغربية ومعه قوة من الجند فالتفوا حول البلدة، وأراد «النديم» الهرب بحيله القديمة فلم يستطع، فاستسلم. وكان من حسن حظه أنهم لم ينتهوا إلى أوراقه، وكان في بعضها هجاء شديد في الخديو توفيق لو اطلعوا عليها لتغير مجرى حياته. وكان القبض عليه في صفر سنة (1309ه)، واختفاؤه في ذي القعدة سنة (1299ه). وأرسل إلى طنطا للتحقيق معه، وكان وكيل النيابة إذ ذاك قاسم بك أمين، فأحسن معاملته، وأمر بأن ينظف مكانه في السجن، ويضاء كما يريد، وأن يمكن من شرب القهوة والدخان كما يشاء، وأمده بالمال من عنده، وكان هم التحقيق متجها إلى معرفة من آواه، وهل كانوا يعرفونه أو لا يعرفونه، وعلى الأخص المنشاوي باشا - وقد نزل عنده أياما - فقد ضيقوا على النديم كثيرا ليقر بأنه كان يعرفه، حرصا منهم على وجود منفذ لمعاقبة المنشاوي، ولكنه أنكر كل الإنكار أن يكون أحد ممن آواه يعرف حقيقته. ثم صدر أمر الخديو توفيق بالعفو عنه وإبعاده عن مصر إلى أي جهة شاء. فاختار يافا ونزل بها، فأكرمه أهلها واتخذ بها دارا جعلها منتدى للأدباء والعلماء، وطوف في فلسطين يشاهد آثارها ويحج إلى مزاراتها، ويجتلي حسن طبيعتها.
ثم مات توفيق وتولى عباس، فعفا عنه، وسمح له بالعودة إلى مصر سنة (1892)، فعاد وفكر طويلا فيما يفعل وأين يتجه، وتردد بين مصر والإسكندرية، وأخيرا عين اتجاهه، وقرر أن ينشئ بالقاهرة مجلة «الأستاذ»، فكانت صفحة جديدة في باب جهاده.
5
كانت الظروف التي تولى فيها الخديوي عباس ظروفا دقيقة، شاب ناشئ في الثامنة عشرة من عمره، دعي من (فينا) حيث يتعلم ليتولى الحكم في مصر، ومصر قد انتهت ثورتها العرابية واطمأن الإنجليز إلى احتلالها، ووضعوا أسس نظامها، وتمكنوا من وضع أيديهم على كل شأن من شؤونها، وعباس الشاب قد بث في نفسه آراء الاستقلال والشعور بالوطنية والعزم على العمل لاسترداد مصر ما فقدت؛ وهو يعيب على جده إسماعيل إسرافه، ويعيب على أبيه توفيق استسلامه، وعلى رجال المعية ضعفهم، وشباب الأمة يبلغه هذا الشعور فيجاوبه، فيتوجه الخديوي لصلاة الجمعة في المسجد الحسيني فيقابله الشعب في حماسة، و«يتقدم الطلبة وغيرهم من المحتشدين - بالسكة الجديدة - نحو العربة الخديوية، ويقصون جيادها ويجرونها بأنفسهم»، ويغير الخديوي رجال المعية بغيرهم ممن هم أقرب إلى نفسه ومبادئه.