وتتكرر أمثال هذه الاجتماعات، وتقال فيها مثل هذه الخطب، ويقوم بالدعوة إليها كبراء البلد كأحمد محمود، وإبراهيم الوكيل، وأحمد أباظة، وأحمد يكن، ومحمد طاهر، وكلها على غرار الحفلات السابقة، عمادها عبد الله نديم وإن اختلفت بعض الموضوعات، كدعوة إبراهيم اللقاني إلى التمسك بأسباب القوة والاتحاد، والحث على مجانبة الخوف والجبن؛ وخطبة فتحي زغلول في الأخذ بالمبادئ التي تمدن البلاد، والدعوة إلى إنشاء جمعية تفتح مدارس ليلية يتعلم فيها من لم يسمح له عمله بالتعليم.
ويدعى عبد الله نديم إلى حفلة في الإسكندرية على هذا الطراز. وكل هذه الحفلات توصف في جريدة الوقائع المصرية، ويذكر فيها خلاصة ما دار فيها من خطب فتنتشر في البلاد.
فلما عطل الدستور، وتطورت الأمور، وكانت الثورة العرابية، تحولت خطب عبد الله نديم إلى موضوع الثورة، وكان يخطب في كل مجتمع: في الأزهر وطلبته، والجيش وجنوده، وفي حفلات «الأفراح»، فما يكون مجتمع لغرض من الأغراض إلا ويطلع عليهم عبد الله نديم وجماعة من ناشئته يعتلون المكان العالي ويخطبون في موضوعات الثورة، حتى كان إذا سئل محمد عثمان «المغني» أين تغني الليلة؟ يقول: «في الفرح الفلاني مع عبد الله نديم»، وهو في هذا الموقف لا يتحرج من التهريج فيقول مثلا في بعض خطبه: إن طوابي الإسكندرية إذا أطلقت مدافعها يبلغ مرماها جزيرة قبرص من هذا الجانب، ومدافع الأستانة إذا أطلقت تبلغ هذه الجزيرة من الجانب الآخر، فكيفما جالت الأساطيل الإنكليزية فهي تحت رحمة مدافعنا، فيصفق الناس. ويخطب «فتحي زغلول» فيقول النديم: ألا تعجبون لما أبدى هذا التلميذ في خطبه من العلم والبيان والتفنن في المواضيع، مع أن جلادستون خطيب إنجلترا لا يتناول إلا موضوعا واحدا؟! ويخطب مصطفى ماهر فيقول النديم: «أشهدكم أيها الناس أن أمة يكون هذا مقدار استعداد التلميذ فيها لا يغلبها أحد في أمرها».
على كل حال كان عبد الله نديم لسان الأمة في عهده بخطبه، وقلمها بصحفه، ينتقل في الأقاليم ولا يكل ولا يمل، نشر آراءه ومشاعره في أكبر عدد ممكن من الأمة، وساعد على نمو رأي عام مصري يؤمن بالحكم الشوري، ويتطلع إلى الإصلاح في الأمور الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. فإن كان السيد جمال الدين رسول الخاصة في هذه المعاني، فعبد الله نديم كان رسول العامة، قطر المعاني التي يدعو إليها جمال الدين إلى الشعب، وأوصلها إلى التاجر في متجره، والفلاح في كوخه، والتلميذ في مدرسته. كان السيد جمال الدين بحكم أرستقراطيته في نشأته وثقافته، والوسط الذي يحيط به، ولغته في كلامه وكتابته، معلم الخاصة، وكان عبد الله نديم بحكم ديمقراطيته في النشأة والعلم والوسط واللغة معلم العامة.
لسنا الآن بصدد الحكم على الثورة العرابية وما نفعت وما أضرت، والمسئولين عنها، والمآخذ عليها، وكل ما يعنينا الآن أن نقول: إنه إذا تبخرت أقواله التي دعت إليها فورة الثورة وتبخرت أنواع تهريجه وتهويشه، بقي لنا جانب كبير من جوانب نفع عبد الله نديم في هذه الحركة، وهو إيقاظ الشعور في الشعب وبحقهم في الشكوى من الظلم، والمطالبة بالعدل، وإفهامهم أن الحاكم يجب أن يكون مسئولا أمامهم، وأن هناك نوعا جديدا من الحكم غير الذي ألفوه: من رجوع الأمور كلها إلى إرادة الحاكم يفعل ما يشاء، ولا يسأل عما يفعل، وهذا النوع الجديد هو حكم البلاد نفسها بنفسها ممثلا في نوابها، وأن مصر للمصريين لا للدولة العلية، ولا لأية دولة أجنبية، وهذه معان قد كانت عند خاصة الخاصة ، فنشرتها الثورة وعبد الله نديم في العامة.
ولئن أخفقت الثورة فيقظة الرأي العام - إلى حد ما - وشعوره بنفسه، وتنبهه إلى حالته الاجتماعية والسياسية لم يخفق، ويتجلى ذلك على الأخص إذا قورن بينه وبين حالته من قبل.