| عبد الله نديم
(1261-1314ه / 1845-1895م)
1
إن كان يستحق الإعجاب من نبغ - والظروف له مواتية - من أسرة عريقة في المجد أو الغنى أو الجاه أو نحو ذلك مما ييسر للأبناء أن يتعلموا، ثم يشقوا لهم طريق الحياة وطريق المجد، فأولى بالإعجاب من ينبغ والظروف له معاكسة، لا حسب ولا نسب، ولا غنى ولا جاه؛ بل ولا القوت الضروري الذي يمكن الفتى من أن يجد له وقت فراغ يثقف فيه نفسه.
قد يدعو إلى شيء من الإعجاب منظر شجرة يانعة ضخمة مثمرة، تعهدها بستانيها بكل ما يصلحها، من وضع في المكان المناسب، والغذاء الكافي، والري المتوافر في أوقاته، ولكن أدعى إلى الإعجاب بذرة طرحت حيثما اتفق، فمدت جذورها بنفسها تجد في حصولها على غذائها، فقد تجده وقد لا تجده؛ وتعاكسها الطبيعة فتكافحها وتتغلب عليها، ثم هي آخر الأمر تكون أينع ما كانت شجرة وأضخمها وأوفرها إثمارا.
كذلك كان من النوع الثاني «عبد الله نديم»، كل الدلائل تدل على أنه سيكون نجارا أو خبازا، ولو تنبأ له متنبئ متفائل لقال: إنه سيكون نجارا ماهرا أو خبازا ناجحا، فأما أديب يملأ الدنيا ويقود الرأي العام ويحسب حسابه في كل ما يخطه قلمه أو تنطق به شفتاه، فلا يدور بخلد أحد حتى فاتح الرمل والضارب بالحصى.
هذا أبوه أصله من الشرقية ورحل منها إلى الإسكندرية، وعمل فيها نجارا للسفن بدار الصناعة «الترسانة» ثم لم يعجبه هذا العمل فاتخذ مخبزا صغيرا يصنع فيه الخبز ويبيعه، ويحصل من ذلك على الكفاف من العيش.
فما بالك بأسرة من هذا القبيل، مسكن متواضع، وخبز إن توافر فإدام غير متوافر، وملبس لا يراعى فيها إلا أن يستر الجسم ولا يلفت النظر، وصحة ترك البت فيها للقضاء والقدر.
ولكن «عم مصباح» والد عبد الله، رجل جاد في عمله، قنوع بكسبه، مستقيم - بالضرورة - في حياته، من بيته إلى مخبزه إلى مسجده. أرسل ابنه إلى الكتاب على باب حارته كما يفعل الناس من مثل طبقته، يرسلون أولادهم إلى الكتاب زمنا ما، فإذا اشتد متنهم وقوي جسمهم أخذوهم إلى دكاكينهم في مثل صناعتهم التي تتوارث كما يتوارث المال.
ولكن عبد الله تفوق في الكتاب، وظهرت عليه ملامح الذكاء، فأراد أن يستمر في تعلمه، ولم يمانعه أبوه، وكانت الطريقة المعبدة لذلك أن يرسل الوالد ابنه إلى الأزهر، ولكن أين مال الأسرة الذي يحتمل ذلك؟!
على أنه في الإسكندرية - قريبا من بيتهم - مسجد هو صورة مصغرة من الأزهر يدرس فيه المشايخ ما يدرس في الأزهر وعلى نمطه، وذلك هو مسجد الشيخ إبراهيم باشا.
فدرس فيه عبد الله نديم ما شاء الله أن يدرس، ولكنه كان تلميذا خائبا في هذه الدراسة، لا يصبر على جفافها، ولا يقدر على حل ألغازها، ولا يتحمل العناء في تفهم كتب نحوها وفقهها، فكان لا يواظب على درسه ولا يبدي به اهتماما.
وحبب إليه نوع من الدراسة غير منظم، يوافق مزاجه، ويناسب استعداده، وهو أن يصاحب الناشئين في الأدب ويغشى مجالسهم ومجالس أساتذتهم، وما كان للأدب درس منظم ولا هو يعد علما ولا فنا، وإنما هو هواية كذي الصوت الجميل يهوى الغناء ويقلد فيه من سبقه، ولا درس ولا فن، ومثل هذا ينظر إليه من أهل العلم بالنحو والفقه نظرة استخفاف وازدراء؛ وقد عهدنا هذا في أيام دراستنا بالأزهر، أيام كان الشيخ سيد المرصفي يحلق حلقة لدراسة الأدب، فكان هذا عجبا من العجب، ينظر طلاب الفقه والنحو ومشايخهم إلى حلقته شزرا.
كان عبد الله نديم يغشى هذه المجالس الأدبية التي ليس لها منهج؛ فيسمع شعر الشاعرين وزجل الزجالين، ونوادر المتماجنين، وقصائد الراوين، فيصغي إلى كل ذلك في فهم كأنه كله آذان، ويدرك من غير وعي أن هذا بابه وهذا فنه، وأنه إنما خلق لذلك لا للنحو ولا للصرف، فاشتاقت نفسه أن يسلك هذا المسلك ويسير في هذا الطريق، وقد منح حافظة لاقطة، وقدرة على التقليد فائقة، فأخذ يحاكي بعد ما اختزن، ويغني بعد ما سمع، فطورا يوفق فيستدعي ذلك إعجاب أمثاله، وطورا يخذل فيستخرج ضحك أقرانه، ومن كل ذلك كان يتعلم.