وإلى جانب ذلك تعلم درسا في منتهى القيمة، درسا تعلمه حافظ ولم يتعلمه شوقي، وتعلمه بيرم التونسي ولم يتعلمه توفيق الحكيم؛ درسا قل أن يفقهه الأدباء مع عظيم خطره وكبير أثره، ذلك هو أن نشأته في صميم الأحياء الشعبية مع رفاهة حسه، ويقظة نفسه، وفقره وبؤسه، علمته أن يحيط إحاطة واسعة بلغة الشعب وأدبه، من أمثال وحكايات ووجوه معاملات وصنوف تصرفات، فرسم ذلك كله في نفسه لوحات كان لها أكبر الأثر في حياته الأدبية المستقلة، والنفس الحساسة الفنانة تختزن حتى حفيف أوراق الأشجار، وهفهفة الأغصان، ودبيب النعال، وحلاوة البسمات، وأدق مجالي الجمال والقبح، ثم تعرف كيف تستخدم ذلك في فنها متى آن أوانه.
ولكن مرحى بذلك كله، تبا للحياة المادية، هل يكسب من ذلك «عبد الله نديم» قرشا، وهل يستطيع «عم مصباح» أن يحتمل هذا الهذر طويلا؟ لقد احتمل الإنفاق عليه في الكتاب؛ لأنه طفل، والكتاب خير من البيت، واحتمله يدرس في «جامع الشيخ»؛ لأنه كان يرجو في ابنه أن يكون شيخا معمما، وعالما مطمطما، يتقرب إلى الله بتقبيل يده والتمسح بثوبه، فأما هذا اللغو الفارغ الذي يسمى شعرا ونثرا فهو عبادة الشيطان لا عبادة الله، ولست أتقرب إلى الله بالإنفاق على عبدة الشياطين.
لقد نفض أبوه يده منه، فأخذ عبد الله نديم يبحث عن وجه للكسب، فاتجه اتجاها غريبا، هو أن يتعلم فن الإشارات التلغرافية ثم يتكسب منه، وكذلك كان. فتعلمه واستخدم بمكتب التلغراف ببنها.
ثم نقل إلى مكتب القصر العالي حيث تسكن والدة الخديوي إسماعيل، وقد كان قصرا من أفخم القصور، يقع على النيل فيما يسمى الآن «جاردن سيتي»، خدم وحشم وموسيقى وطرب، وما شئت من ألوان النعيم والترف؛ وقد تعلم منه عبد الله نديم كيف يعيش الأمراء والسادة، كما تعلم في بيته وحارته في الإسكندرية كيف يعيش الفقراء والعبيد.
وعاد إليه في القاهرة شوقه إلى الأدب ومجالس الأدباء، وكان حظ القاهرة في ذلك أوفى؛ ففيها - مثلا - مجلس محمود سامي البارودي، وكان مجلسا عامرا يسمر فيه السمر اللذيذ؛ فأدب قديم يعرض، وأدب حديث ينشد، وعرض للمعنى الواحد صيغ صياغة مختلفة، ونقد قيم لهذا ولذاك، يتخلله نوادر فكهة، وأحاديث في الأدب حلوة، اتصل عبد الله نديم بهذا المجلس وأمثاله، وتوثقت الصلة بينه وبين كثير من أدباء مصر إذ ذاك، وأخصهم سبعة أولع بهم واستفاد من معارفهم وأدبهم: شاعر مصر محمود سامي البارودي؛ وشيخ الأدباء عبد الله باشا فكري، والسيد علي أبو النصر البليغ الشهير؛ ومحمود صفوت الساعاتي، الواسع الاطلاع، الكثير المحفوظ، المتفنن في الطرائف الأدبية؛ والشيخ أحمد الزرقاني الكاتب الأديب؛ ومحمد بك سعيد بن جعفر باشا مظهر الشاعر الثائر؛ وعبد العزيز بك حافظ عاشق الأدب والأدباء، الكريم الوفي.
وكان الذي أرشده إلى هؤلاء الأدباء وعرفه بهم، وأحكم الصلة بينه وبينهم، الشيخ أحمد وهبي أحد المولعين بالشعر، الناظمين له، والمحرر بالوقائع المصرية في بعض أيامه.
فأتم على هؤلاء وأمثالهم دراسته، وشرب من منهلهم وارتوى من ينابيعهم، فهو في النهار تلغرافي، يتقبل الإشارات ويرسلها، وبالليل أديب يتقبل نماذج الأدب ويحاكيها.
ولكنه لم يمهله الحظ، فقد غلط في عمله في القصر العالي غلطة سببت غضب خليل أغا عليه؛ ومن خليل أغا؟ هو كبير أغوات الوالدة (أم إسماعيل)، وكان القصر مملوءا بالأغوات، يقومون بشئون القصر، ويستقبلون المدعوات ويصحبونهن إلى باب الحريم؛ ونال كبيرهم خليل أغا من النفوذ ما لم ينله ناظر النظار ولا الأمراء والوجهاء، لخطوته عند الخديو إسماعيل ووالدته.
إشارته حكم، وطاعته غنم، يخضع له أكبر كبير، ويسعى لخدمته أعظم عظيم، رأيه نافذ في الدواوين والمصالح، يتحكم في مصر والسودان، ويأتمر بأمره كبار الموظفين والأعيان. حاز الثروة الضخمة والجاه العريض، كأنه كافور الإخشيدي في أيامه، حتى إنه لما عقد عقد زواج الأنجال في القصر العالي حضره النظار والعلماء وكبار الأعيان، فكان يرأس الجميع «خليل أغا»؛ كان من خصاله أنه يذبح ويسبح، ويغصب ويبني مدرسة.