تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الوزير :

ولكن هناك أمثلة أعقد من هذه. قد نجد فلاحين زرعا أرضهما في ميعاد واحد وبعناية واحدة وتربة الأرض واحدة والتقاوي واحدة وكل شيء واحد، ثم نجحت زراعة أحدهما ولم تنجح زراعة الآخر، لا لشيء إلا الحظ.

الملك :

حتى ولا هذه - فلا بد أن يكون هناك سبب، كأن تكون تقاوي أحدهما مبخرة والأخرى غير مبخرة، أو تكون في السماد البلدي الذي سمد به الثاني أرضه مكروبات سببت فساد زراعته - وأكثر ما يمكن أن يقال: إنه قد يكون هناك قوانين لم تستكشف بعد، بسببها نجحت زراعة أحدهما وفشلت زراعة الآخر، فالمسألة ليست مسألة حظ، ولكن مسألة قوانين طبيعية بعضها عرف وبعضها لم يعرف، والناس يأتون فيسمون هذه القوانين التي لم تعرف حظا.

الوزير :

فما قول مولاي الملك في شابين نزلا يستحمان في البحر فغرق من يعرف العوم ونجا من لم يعرف؟

الملك :

لا بد أيضا من سبب، فقد يكون من غرق لأن قلبه وقف، أو لأنه نزل البحر على امتلاء أو أراد أن ينتحر أو نحو ذلك من أسباب.

وما زال الوزير يعترض والملك يجيب حتى تضايق الملك فقال: إن لم تأتني بدليل قاطع على وجود الحظ عزلتك.

وساعد الحظ الوزير، فلما أظلم الليل أمر أن يقبض على أول اثنين يسيران في الشارع، فأتي بالرجلين فحبسهما الوزير في حجرة مظلمة. فأما أحدهما فكان نشيطا شجاعا، وأما الآخر فكان كسولا جبانا، قعد الكسول في ركن من أركان الحجرة يبكي مما أصابه، وأخذ النشيط الشجاع يتحسس الحجرة لعله يجد فيها ما يأكله، فوقعت يده على كيس أدخل فيه يده فوجده حبا ذاقه فوجده حمصا، فأخذ يأكل، ومن حين لآخر تصطدم أضراسه بحصاة يخرجها فيرمي بها صاحبه اللابد في الركن استهزاء به واستخفافا، فلما أصبح الصباح وأشرق النور تبين أن الحجارة التي في حجر الكسلان الجبان قطع من أفخر الماس، وتكشفت الحال عن نشيط شجاع أكل حمصا، وكسلان جبان نال ماسا.

فذهب الوزير إلى الملك يقص عليه أكبر برهان على وجود الحظ في الدنيا.

فقال الملك: آمنت أن في الدنيا حظا بمقدار ما يوجد الماس في حمص.

وفي الحق أن الدنيا حظا، وأنه أكثر قدرا من الماس في حمص، فهذه ترزق الجمال، وهذه ترزق القبح، وهذا يرزق الذكاء، وهذا يرزق الغباء.

وأجلس في «المترو» في المقعد الضيق فأرزق بالرجل السمين الذي يحتاج إلى «مترو» وحده، ويركب الناس القطارات فتوزع الأرزاق أشكالا وألوانا، هذا محظوظ في مكانه وهذا منحوس في جيرانه.

ويشتري مائة ألف أوراق يانصيب، فيربح أقل الناس استحقاقا، ويخسر أكثرهم استحقاقا.

ويسلم شخص على آخر فيسلمه ميكروبا ينغص عليه حياته أياما، ويتحدث شخص إلى آخر، فينجلي الحديث عن شيء يكون سببا لسعادته في الحياة.

والطائرة تطير حتى إذا وصلت إلى مكان ما تعطل محركها فسقطت على فلاح يجر جاموسته فقتلته وقتلت جاموسته، وفي الأرض ملايين الفلاحين يسحبون ملايين الجواميس، ولكن هذا الفلاح بالذات وهذه الجاموسة بالذات هما اللذان يدركهما سوء الحظ، وقد تكون الطائرة في الأصل غير مصوبة إلى رأس الفلاح ولكنه يجري ليتقيها فيقع تحتها.

وهكذا كل يوم آلاف وآلاف من الحوادث تجري ليس لها تعليل إلا الحظ.

أنا مع الوزير ومع الملك في وجهة نظرهما؛ مع الوزير في أن في الدنيا حظا وفي الدنيا أمورا لا يفسرها قانون السببية، ومع الملك في أن الحظ لا يصلح أن يعتمد عليه في الحياة، فلا يصح للفلاح أن يعتمد في زراعته على الحظ، وكذلك التاجر في تجارته، والطالب في دراسته، والصانع في صناعته، والأمة في مصيرها أو في تسيير شؤونها.

لكل إنسان دائرتان في الحياة: دائرة العمل وهذه ينبغي أن يعتمد فيها على قانون السبب والمسبب، والارتكان فيها على الحظ أو البخت أو القدر أو نحو ذلك من الأسماء خطأ أي خطأ، فإذا بذل الإنسان أقصى جهده في عمله، فهناك الدائرة الأخرى التي ليست في يدنا، وإنما هي في يد القدر أو الحظ، ولتكن ما تكون بعد أن يكون الإنسان قد أرضى ضميره ببذل ما في وسعه.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٦٩٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٦٩٢