ولكنا نريد موظفا صغيرا يخدم الجماهير وأرباب العمل، وموظفا كبيرا يخدم الموظف الصغير في إرشاده وتوجيهه كيف يخدم ذوي الحاجات، فليس بيننا قائد ومقود آمر ومؤتمر، ومن هو فوق القانون ومن هو تحت القانون، إنما بيننا خادم كبير وخادم صغير، والكبر والصغر ليسا إلا تابعين لنوع الخدمة.
وعلى هذا الأساس فكناس الشارع يؤدي خدمة للأمة كالموظف على مكتبه، ومدير الإدارة في مصلحته، وكل له الحق في أن يعيش، وأن يعيش مكرما ممن فوقه ومكرما لمن تحته.
فما بال هذا الملاحظ يضرب هذا الكناس؟!
إن العظيم ليس الحاكم بأمره، ولا المترفع عن شعبه، ولا الذي هو فوق القانون وفوق العقوبة، ولا الذي يأمر فأمره حكم وطاعته غنم، ولكن هو الذي يعرف الجماهير، ويعرف نفوسهم ومشاكلهم وأسباب انحطاطهم ووسائل رقيهم ثم يعرف كيف يخدمهم.
وليس العظيم من يميت إرادة الأمة بقوة إرادته، وتفكيرها بإملاء تفكيره عليها، ومشاعرها بفرض مشاعره.
إنما العظيم من يحيي إرادة الأمة بجانب إرادته، وعقلها بجانب عقله، ومشاعرها بجانب مشاعره، ثم يتفاعل معها خادما ومخدوما وآخذا ومعطيا ومفيدا ومستفيدا.
ولخير للأمة أن تفعل ما تريد - ولو أخطأت - مع احتفاظها بعقلها وإرادتها من أن تفعل الصواب إذا سلبت حريتها وإرادتها.
إن الدرس الصحيح الذي يجب أن يتعلمه كل فرد في الأمة - من الطفل في المدرسة إلى الموظف في المصلحة، إلى الفلاح في الحقل، إلى العامل، في المصنع إلى الوزير في الوزارة، إلى رئيس الوزراء في الدولة - هو أن يكون الإنسان نافعا للحياة، خادما بما يستطيع للأمة، محترما لأخيه الإنسان. فلا وضيع ولا شريف، ولا رفيع ولا حقير، وأن يعتقد ويعمل على أن كل الناس سواء في حقوق الإنسانية.
فما بال هذا الملاحظ يضرب هذا الكناس؟!
لن تفلح أمة حتى يتغلغل في أعماق نفسها أن هذا الكناس وأكبر رئيس سواء في الحقوق والواجبات.
| الحظ ...!
من قديم والناس يتجادلون: هل في الدنيا شيء اسمه الحظ؟ أو هو مجرد وهم وخرافة؟ وقد كنت قرأت قصة لطيفة في ذلك، وهي أن ملكا ووزيرا تجادلا مرة في هذا:
فأما الملك فقال: ليس في الدنيا حظ إنما هو سبب ومسبب وعمل ونتيجة .
فالتاجر إذا نجح فبجده وبمعرفته قوانين الاقتصاد، وإذا خاب فبكسله أو إسرافه أو جهله بأصول التجارة. والفلاح إذا نجح؛ فلأنه جرى على أصول الزراعة، حرث الأرض جيدا وبذر فيها بذورا نقية وسقاها في مواعيدها ونقاها مما يعلق بها، وجاره إذا خابت زراعته؛ فلأنه لم يتبع هذه القوانين.
قال الوزير: ولكن قد نرى تاجرين أحدهما متعلم على آخر نمط وصل إليه العلم الحديث؛ درس الجغرافيا وعلم محاصيل البلاد ومنتجاتها، ودرس علم الاقتصاد وعرف قانون العرض والطلب، ومتى يرتفع السعر ومتى ينخفض، ومع ذلك نراه تاجرا خائبا، وزميله الذي لم يتعلم ويكاد يكون أميا تاجر ناجح قد ربى ثروة كبيرة. وعندنا في مملكتنا أمثلة كثيرة لآباء جهلة كانوا ناجحين في تجارتهم، وخلفوا أبناء علموهم على آخر طراز، فلما تولوا تجارة آبائهم خابوا وأضاعوا ثروتهم.
أليس هذا أيها الملك الجليل هو الحظ؟
الملك :
ليس هذا حظا، وسبب نجاح الأب وخيبة الابن أن هناك علما غير الذي في الكتب يكتسب بالتجارب؛ فالأب الذي نجح قد عرف أخلاق الناس وعرف كيف يعاملهم وعرف ما يستهويهم وما ينفرهم، فكان هذا سبب نجاحه. أو تعلم من آبائه ألا يتوسع إلا على قدر رأس ماله ولا ينفق على نفسه وعلى أسرته إلا ما هو أقل من ربحه. ثم يجيء الابن المغرور بعلمه فلا يجامل الناس؛ لأن التجار في المملكة التي تعلم فيها لا يجاملون، مع أن لكل ممكلة عوائدها وتقاليدها، أو يتوسع في التجارة أكثر مما يحتمله رأس ماله اعتمادا على حساب تبين خطؤه، أو تغريه الملذات فينفق أكثر مما يربح فتكون النتيجة الفشل، ثم يأتي الجهال فيسمون ذلك كله حظا!