تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هناك نفوس تستطيع أن تخلق من كل شيء شقاء، ونفوس تستطيع أن تخلق من كل شيء سعادة، هناك المرأة في البيت لا تقع عينها إلا على الخطأ؛ فاليوم أسود لأن طبقا كسر ولأن نوعا من الطعام زاد الطاهي في ملحه؛ أو لأنها عثرت على قطعة من الورق في الحجرة، فتهيج وتسب ويتعدى السباب إلى كل من في البيت، وإذا هو شعلة من نار. وهناك رجل ينغص على نفسه وعلى من حوله من كلمة يسمعها أو يؤولها تأويلا سيئا، أو من عمل تافه حدث له أو حدث منه، أو من مال خسره أو من ربح كان ينتظره فلم يحدث أو نحو ذلك، فإذا الدنيا كلها سوداء في نظره، ثم هو يسودها على من حوله. هؤلاء عندهم قدرة المبالغة في الشر، فيجعلون من الحبة قبة ومن البذرة شجرة، وليس عندهم قدرة على الخير، فلا يفرحون بما أوتوا ولو كثيرا، ولا ينعمون بما نالوا ولو عظيما.

والحياة فن، وفن يتعلم، ولخير للإنسان أن يجد في وضع الأزهار والرياحين والحب في حياته من أن يجد في تكديس المال في جيبه أو في مصرفه. ما الحياة إذا وجهت كل الجهود فيها لجمع المال، ولم يوجه أي جهد لترقية جانب الجمال والرحمة والحب فيها؟

أكثر الناس لا يفتحون أعينهم لمناهج الحياة، وإنما يفتحونها للدرهم والدينار، يمرون على الحديقة الغناء والأزهار الجميلة والماء المتدفق والطيور المغردة، فلا يأبهون لها، وإنما يأبهون لدينار يأتي ودينار يخرج. قد كان الدينار وسيلة للعيشة السعيدة، فقلبوا الوضع وباعوا العيشة السعيدة من أجل الدينار، وقد ركبت فينا العيون لنظر الجمال، فعودناها ألا تنظر إلا إلى الدينار.

ليس يعبس النفس والوجه كاليأس، فإن أردت الابتسام فحارب اليأس. إن الفرصة سانحة لك وللناس، والنجاح مفتوح بابه لك وللناس، فعود عقلك تفتح الأمل وتوقع الخير في المستقبل. إذا اعتقدت أنك مخلوق للصغير من الأمور لم تبلغ في الحياة إلا الصغير. وإذا اعتقدت أنك مخلوق لعظائم الأمور شعرت بهمة تكسر الحدود والحواجز، وتنفذ منها إلى الساحة الفسيحة والغرض الأسمى. ومصداق ذلك حادث في الحياة المادية، فمن دخل مسابقة مائة متر شعر بالتعب إذا هو قطعها، ومن دخل مسابقة أربعمائة متر لم يشعر بالتعب من المائة والمائتين؛ فالنفس تعطيك من الهمة بقدر ما تحدد من الغرض. حدد غرضك، وليكن ساميا صعب المنال، ولكن لا عليك في ذلك ما دمت كل يوم تخطو إليه خطوا جديدا. إنما يصد النفس ويعبسها ويجعلها في سجن مظلم اليأس وفقدان الأمل والعيشة السيئة برؤية الشرور، والبحث عن معايب الناس والتشدق بالحديث عن سيئات العالم لا غير.

وليس يوفق الإنسان في شيء كما يوفق إلى مرب ينمي ملكاته الطبيعية، ويعادل بينها ويوسع أفقه، ويعوده السماحة وسعة الصدر، ويعلمه أن خير غرض يسعى إليه أن يكون مصدر خير للناس بقدر ما يستطيع، وأن تكون نفسه شمسا مشعة للضوء والحب والخير، وأن يكون قلبه مملوءا عطفا وبرا وإنسانية وحبا لإيصال الخير لكل من اتصل به.

النفس الباسمة ترى الصعاب فيلذها التغلب عليها، تنظرها فتبسم، وتعالجها فتبسم، وتتغلب عليها فتبسم، والنفس العابسة لا ترى صعابا فتخلقها، وإذا رأتها أكبرتها واستصغرت همتها بجانبها، فهربت منها وقبعت في جحرها تسب الدهر والزمان والمكان وتعللت بلو، وإذا، وإن. وما الدهر الذي يلعنه إلا مزاجه وتربيته، إنه يود النجاح في الحياة ولا يريد أن يدفع ثمنه، إنه يرى في كل طريق أسدا رابضا، إنه ينتظر حتى تمطر السماء ذهبا أو تنشق الأرض عن كنز.

إن الصعاب في الحياة أمور نسبية، فكل شيء صعب جدا عند النفس الصغيرة جدا، ولا صعوبة عظيمة عند النفس العظيمة. وبينما النفس العظيمة تزداد عظمة بمغالبة الصعاب، إذا بالنفوس الهزيلة تزداد سقما بالفرار منها، وإنما الصعاب كالكلب العقور إذا رآك خفت منه وجريت نبحك وعدا وراءك، وإذا رآك تهزأ به ولا تعيره اهتماما وتبرق له عينك أفسح الطريق لك، وانكمش في جلده منك.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٦٨٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٦٨٤