تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم لا شيء أقتل للنفس من شعورها بضعتها وصغر شأنها وقلة قيمتها، وأنها لا يمكن أن يصدر عنها عمل عظيم، ولا ينتظر منها خير كبير. هذا الشعور بالضعة يفقد الإنسان الثقة بنفسه والإيمان بقوتها، فإذا أقدم على عمل ارتاب في مقدرته وفي إمكان نجاحه وعالجه بفتور ففشل فيه. الثقة بالنفس فضيلة كبرى عليها عماد النجاح في الحياة، وشتان بينها وبين الغرور الذي يعد رذيلة، والفرق بينهما أن الغرور اعتماد النفس على الخيال وعلى الكبر الزائف، والثقة بالنفس اعتمادها على مقدرتها على تحمل المسئولية، وعلى تقوية ملكاتها وتحسين استعدادها. ورجال الأديان مسئولون - إلى حد كبير - عن نشر الأفكار في تحقير النفس وذلتها، وخساستها وشرورها ومعاصيها، حتى ليبالغ بعضهم فينغص على الناس حياتهم، ويفقدهم كل أمل في النجاح.

وبعد: فالشرق في حاجة كبرى إلى كميات كبيرة من الابتسامات الصادقة الدالة على النفوس الراضية الآملة الطامحة.

سر أنى شئت في الشوارع واغش المنتديات والمجتمعات، وتفرس في الوجوه، فقلما ترى إلا وجوها مستطيلة مقطبة الجبين، ورءوسا أثقلها الهم فخفضها، وعيونا ساهمة قد فقدت بريق السرور ولمعان الحيوية.

استثن الضحكات العالية في مجالس اللهو وأماكن التنادر، فهل ترى إلا العبوس وما يشبه العبوس، واستبعد البسمات المزيفة المتصنعة في المقابلات والمجاملات، وانفذ منها إلى أعماق النفوس، فهل ترى إلا انقباضا وانكماشا؟

ما السر في هذا كله؟

سره في تعاقب الظلم على الشعوب من زمن قديم حتى سلبها حريتها، وهل تبسم النفس إلا للحرية، وهل تنقبض إلا من الاستبداد؟!

وسره في الفقر الشامل لأكثر أفراد الشعب، فهم يحملون الهم المضني، كيف يأكلون ويعيشون، وكيف يسدون حاجات أسرتهم ومن تعلق في رقبتهم، والمنافذ ضيقة في وجوههم، وأكثر الثروة قد ضاعت من أيديهم.

وسره في ضعف التربية التي لا تفتح النفس للحياة، وتكتفي بالعلم الجاف.

وسره في النظم الاقتصادية التي لا تقدم على الأعمال، ولا تفتح أبواب الرزق للشبان، ولا تستغل ما بقي من ثروات البلاد.

وسره في أننا إلى الآن لم نتعلم فن الحياة، ولم نسمع به في برامج الدراسة، ولم نره لا في بيوتنا ولا مدارسنا ولا عند خطبائنا وكتابنا.

وسره أننا لم نستشعر الثقة بالنفس؛ فلا الفرد يثق بنفسه، ولا المواطن يثق بمواطنه، ولا رجال الإدارة والأعمال يثقون بمواطنيهم، ولا الناس يثقون بأولي الأمر فيهم.

وسره أخيرا أنا حرمنا العزة القومية طويلا، وكم تبعث العزة القومية من بسمات! فلنتغلب على هذه الصعوبات جميعا، ولنبسم للحياة ولو تكلفا ينقلب التكلف بعد حين تطبعا.

ابسم للطفل في مهده، وللصانع في عمله، وابسم لأولادك وأنت تربيهم، وابسم للتاجر وأنت تعامله، وابسم للصعوبة تعترضك، وابسم إذا نجحت، وابسم إذا فشلت ... وانثر البسمات يمينا وشمالا على طول الطريق؛ فإنك لن تعود للسير فيه.

| الرحمة الكاذبة

يروون أن فيلسوف الصين «لوتس»

Lao-tzé

الذي عاش في القرن الخامس قبل الميلاد، كان يقول: «قابل الرحمة بالرحمة، وقابل القسوة بالرحمة أيضا».

ولكن«كونفوشيوس» الفيلسوف الكبير، الذي كان يعيش في الزمن نفسه، لم يوافق على هذا الرأي وكان يقول: «قابل الرحمة بالرحمة والقسوة بالعدل».

وجاء شراح هذين المبدأين، فقالوا: إن كلا من الحكيمين نظر إلى المسألة من جانبه، وإن لوتس كان رجلا شعبيا فوضع هذا المبدأ في الحقوق الشخصية، فإذا ظلمك أحد في مالك ولم يدفع الدين الذي عليه، فرحمته وسامحته فذلك حقك، وإذا أساء إليك إنسان بكلمة قاسية أو عمل غير لائق فرحمته وعفوت عنه، فأنت وشأنك.

أما «كونفوشيوس» فكان حاكما، وكان واليا على إقليم، فنظر إلى المسألة من جانب المصلحة العامة، ومن جانب خير المجتمع، فمن سرق فرحم، أو قتل فرحم، جرأت الرحمة الناس على السرقة فسرقوا، وعلى القتل فقتلوا، وفسدت الجمعية البشرية.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٦٨٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٦٨٥