يعجبني وصف بعضهم لهجل وصفا ينطبق على أبي العلاء انطباقا تاما إذ قال: «إنه رجل كفر عقله وآمن قلبه»، كما يصدق عليه أيضا قول جوته عن «فاوست»: «إنه عقل طغى على القلب فأشقى صاحبه».
وأيا ما كان، فهذه الشخصية الفذة، الشخصية المؤمنة الكافرة، الشخصية القلقة الحائرة، أخرجت كل ما كان يتناوبها من نبضات قلب، وخطرات عقل، في صورة فنية رائعة أمتعت الناس وإن أشقت صاحبها. فرحمه الله، ورحمه الله.
| ابتسم للحياة
حدثت أن الشيخ محمد عبده والشيخ عبد الكريم سلمان كانا صديقين وفيين منذ صباهما، ألف بينهما قرب الجوار في البلدة، وتساكنهما وتلازمهما أيام المجاورة في الأزهر، ثم تعاونهما بعد في معترك الحياة، وأن الشيخ عبد الكريم سلمان كان أذكى من الشيخ محمد عبده وأوفر استعدادا، ولكن كان الشيخ محمد عبده متفائلا وكان الشيخ عبد الكريم متشائما. كان الشيخ محمد عبده يرى أن الناس خيرون بطبعهم، وإنما أفسدتهم الظروف، فإذا أصلحت صلحوا. وأن المصريين كغيرهم من الناس، إذا ساءت بعض أخلاقهم وبعض تصرفاتهم، فلهم العذر، لما جنى عليهم أولو الأمر فيهم، فإذا دعوا إلى الخير ومهدت لهم السبل ورسمت لهم الطرق وربوا تربية صالحة، لبوا الدعوة واستقام أمرهم، واتسع أمامهم طريق المجد والشرف، وعلى هذا الأساس بنى كل حياته وكل أعماله. وكان الشيخ عبد الكريم متشائما يرى أن الناس في مصر فسدوا فسادا لا يرجى معه صلاح، والمصلح يحرق نفسه ثم لا يأتي بنتيجة، فخير أن يكتفي المصلح بنفسه، وليدع الناس وشأنهم حتى يأكلهم القدر.
أما الأول فأصبح - لتفاؤله - الشيخ محمد عبده المصلح العظيم الذي ترك في أمته الأثر الكبير؛ وأما الثاني فلم يعرفه إلا خاصته، ولم يستفد من ذكائه إلا أقرب الناس إليه، وكان شمعة مضيئة في غرفة خالية.
لا شيء يضيع ملكات الشخص ومزاياه كتشاؤمه في الحياة، ولا شيء يبعث الأمل ويقرب من النجاح وينمي الملكات، ويبث على العمل النافع لصاحبه وللناس، كالابتسام للحياة، والطبيعة أدرى بذلك، فقد منحتنا القدرة على الضحك، والقدرة على الفرح والإعجاب بالنوادر اللطيفة والروح الفكهة، كما منحتنا الرغبة في الغذاء والقدرة على الهضم ونحوهما من وسائل الحياة، علما منها بأن العيش لا يصلح إلا بها، والسعادة لا تتم بدونها، فأتى الإنسان من جهله يكبت هذه الموهبة ويلونها باللون الأسود، فوقع في الهم والشقاء؛ لأن الطبيعة لا تمنح السعادة إلا لمن احترم قوانينها وسار على سننها.
إن الطبيعة علمت أن الدنيا لا تخلو من متاعب، وأن الإنسان سيلاقي في حياته بعض المصاعب، فسلحته بروح المرح وروح الفكاهة، وجعلت ذلك دواء لدائه وبلسما لشفائه، فإذا هو فقده لأي سبب من الأسباب، فقد فقد علاج مرضه وعاش في بؤسه، فإن أنت رأيت فتى أو فتاة أو شابا أو شابة عابس الوجه مقطب الجبين، يحمل الهموم ويبرم بالحياة، فاعلم أن هناك مجرما من رب أسرة أو مشرف على التعليم قد سلبه أسن ما في طبيعته، وأجمل ما في ملكاته.
ليس المبتسمون للحياة أسعد حالا لأنفسهم فقط، بل هم كذلك أقدر على العمل، وأكثر احتمالا للمسئولية، وأصلح لمواجهة الشدائد ومعالجة الصعاب، والإتيان بعظائم الأمور التي تنفعهم وتنفع الناس.
لو خيرت بين مال كثير أو منصب خطير، وبين نفس راضية باسمة، لاخترت الثانية، فما المال مع العبوس؟ وما المنصب مع انقباض النفس؟ وما كل ما في الحياة إذا كان صدر صاحبه ضيقا حرجا كأنه عائد من جنازة حبيب؟ وما جمال الزوجة إذا عبست وقلبت بيتها جحيما؟ لخير منها ألف مرة زوجة لم تبلغ مبلغها في الجمال وجعلت بيتها جنة.
ولا قيمة للبسمة الظاهرة إلا إذا كانت منبعثة عن نفس باسمة وتفكير باسم. وكل شيء في الطبيعة جميل باسم منسجم، وإنما يأتي العبوس مما يعتري طبيعة الإنسان من شذوذ؛ فالزهر باسم والغابات باسمة، والبحار والأنهار والسماء والنجوم والطيور كلها باسمة. وكان الإنسان بطبعه باسما لولا ما يعرض له من طمع وشر وأنانية تجعله عابسا. فكان بذلك نشازا في نغمات الطبيعة المنسجمة، ومن أجل هذا لا يرى الجمال من عبست نفسه، ولا يرى الحقيقة من تدنس قلبه. فكل إنسان يرى الدنيا من خلال عمله وفكره وبواعثه، فإذا كان العمل طيبا والفكر نظيفا والبواعث طاهرة كان منظاره الذي يرى به الدنيا نقيا، فرأى الدنيا جميلة كما خلقت، وإلا تغبش منظاره واسود زجاجه، فرأى كل شيء أسود مغبشا.