لقد شغلت الفلسفة القديمة بالبحث وراء المادة، فدارت حول نفسها ولم تصل إلى نتيجة، حتى جاءت الفلسفة الحديثة وعلى رأسها «كانت»، فتحول بعض فلاسفتها من البحث فيما وراء المادة إلى البحث في العقل نفسه ومقدرته على المعرفة وحدود ما يمكن أن يعرف وما لا يمكن أن يعرف، إن العقل إنما يستمد معلوماته من الحواس، وكل البحوث في سائر العلوم حتى أدق العمليات الرياضية والهندسية منشؤها الحواس، أعمل فيها العقل بالمقارنات وما إلى ذلك، والحواس لا تدرك من العالم إلا بقدر، فإذا انخفض الصوت عن قدر معين أو ارتفع عن قدر معين لم نسمع، وهكذا العين والشم واللمس، فكم في العالم من أشياء لم تدركها عقولنا لأنها لم تدركها حواسنا. والعقل لا يستطيع أن يسير إلا مستندا على حواسه، ولا يمكن أن يدرك من العالم إلا مظهره، هل يستطيع أن يدرك ما الضوء وما الكهرباء وما الجاذبية؟ إنما يدرك آثارها ومظاهرها. هل يستطيع أن يدرك مركز نفسه، وحقيقة شعوره؟ كلا إنما يدرك آثار ذلك في الحياة الخارجية. من أين أتينا؟ أين كانت حياتنا قبل أن نحيا؟ ماذا تكون حياتنا بعد أن نموت؟ وما حقيقة علاقتنا بالعالم الخارجي حولنا؟ كل هذه الأسئلة ومئات نحوها لا نعرفها، ولا يستطيع العقل أن يعرفها، ولم يتقدم في إدراكها كما تقدم في العلم بقوانين المادة. كم في العالم من حجر مغلقة لم نعط مفاتيحها؟
إنما نشعر بالله وبالحياة الأخرى وبالمملكة الروحانية بقلبنا، وتطمئن نفوسنا إذا آمنت، وتقلق وتضطرب إذا ألحدت. لقد ارتفع «برجسون» (الفيلسوف الفرنسي المعاصر) إلى أوج الشهرة في أعوام قلائل؛ لأنه دافع عن الطبيعة الإنسانية وآمالها، فكم اغتبط الناس واطمأنوا إذ رأوا فيلسوفا يصون لهم ما يرجون من خلود وما يعتقدون في إله. وقال وليم جيمس: «لقد بحثت في نفسي ولم أعلم ما هي وما شبهها، وأين تسكن وكيف تتغير، وكيف تكون مجبورة، وكيف تكون مختارة؛ وتتغير نظرياتي في ذلك من وقت إلى وقت، ولكن مع هذا أومن بنفسي، وأومن أنها مركز لكل ما أعرف عن العالم حولي»، كذلك الشأن في إدراك المبدأ والمنتهى والله والخلود، إنها عقيدة وإيمان لا قضايا منطق.
اعتبر الأديان كلها، مبعثها ومظهرها، تجدها تختلف باختلاف الأمم ورقيها وطبيعتها، وتتغلب على كل دين صفة من الصفات تكاد تكون كالمحور؛ كالتضحية، ومعنى الأبوة، والرحمة والغفران، وإطاعة الأوامر، والفن والجمال، وإنكار الذات، والإحسان إلى الجميع، والشفقة على الحيوان، والشجاعة، والجهاد في سبيل نشر الدعوة. وكل هذه االصفات على اختلافها من قبيل العواطف والمشاعر، ولم نر دينا أتى بفلسفة عقلية، ولست تستطيع أن تقنع المحب بالحجج العقلية حتى يسلو، ولا أن تقنع من جمدت عواطفه حتى يحب. إن عقله قد يقيم البرهان على خطأ الحب، وقد يمنعه من الزواج، ولكن لا يستطيع أن يمنعه من الحب، وهكذا الشأن في كل المشاعر، وهكذا الشأن في الدين. الدين في القلب لا في العقل، وإذا بحث الدين بالعقل المجرد لم تكن النتيجة دينا ولا فلسفة، وإنما شيء تافه اسمه «علم الكلام».
وقد أراد أبو العلاء أن يضم إلى إيمانه بقلبه إيمانه بعقله فلم يستطع، وكانت العقدة. ولو نام شعوره وانتبه عقله لألحد مستريحا، ولو نام عقله وانتبه شعوره لآمن مستريحا، ولو صحا عقله وشعوره ورسم حدوده، وعرف لكل دائرة اختصاصه لاستراح أيضا، ولكنه أراد أن يصل إلى ما ليس يمكنه العقل فلم يفلح، وقلق واضطرب كما يقلق ويضطرب كل من خرج على قوانين الطبيعة، وحاول الخروج على طبائع الأشياء؛ لأن الدين يغذي حاجة من حاجات النفس لا غنى لها عنه إذا مرضت. هذا هو السبب في أنه نقد المجتمع فنجح، ونقد الأخلاق فنجح، ونقد الأخبار فنجح، ونقد الدين في صميمه فلم ينجح.