تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أفيقوا أفيقوا يا غواة فإنما

دياناتكم مكر من القدماء

أرادوا بها جمع الحطام فأدركوا

وبادوا وماتت سنة اللؤماء •••

قالت معاشر: لم يبعث إلهكم

إلى البرية عيساها ولا موسى

وإنما جعلوا للقوم مأكلة

وصيروا لجميع الناس ناموسا

ولو قدرت لعاقبت الذين طغوا

حتى يعود حليف الغي مرموسا •••

إن الشرائع ألقت بيننا إحنا

وأودعتنا أفانين العداوات

وهل أبيحت نساء القوم عن عرض

للعرب إلا بأحكام النبوات •••

هفت الحنيفة، والنصارى ما اهتدت

ويهود حارت، والمجوس مضلله

اثنان أهل الأرض: ذو عقل بلا

دين وآخر دين لا عقل له

وهكذا. وهكذا. •••

لقد فكر أبو العلاء طويلا بعد هذه المرحلة الطويلة التي قطعها في إعمال العقل، واستعرض ما فكر وما قال. فماذا رأى؟ رأى تناقضا في الفكرة وفي القول، يسلمه التفكير يوما إلى الشيء أنه أبيض فيعلنه، ثم يسلمه يوما آخر إلى أنه أسود فيعلنه، فإذا هو آخر الأمر يلعن أنه أسود وأبيض معا ومحال ذلك. أيهما الحق أهو أسود أم أبيض؟ لا بد أن يكون أسود فقط أو أبيض فقط، إما أسود وأبيض معا فضلال، وما هذا العقل الذي يسلمني إلى الشيء ونقيضه؟ عند ذلك صرخ من أعماق نفسه بأنه حائر لم يوفق، ضال لم يهتد، وأن ليس في الناس من يستطيع هدايته، فكلهم إما عاقل لا دين له أو دين لا عقل له، وهو يريد أن يكون دينا عاقلا، والمطمئنون الذين استطاعوا أن ينجوا من الحيرة مقلدون لم يؤمنوا عن فكر وعقل، فهؤلاء ضالون لتقليدهم، وهؤلاء ضالون لحيرتهم. والعقل وما أدراك ما العقل؟ أسلمت له قيادي، فلم يسلم لى قياده، وآمنت به كل الإيمان، وفضلته على كل الأديان، وجعلته نبيا من الأنبياء، ونورا يلمع في الظلماء، فلم يؤد رسالة، ولم ينقع غلة، فلأكفر به كما كفرت بغيره، ولأنكر سلطانه كما أنكرت كل سلطة، ولأكسر قيثارتي التي غنيت عليها في مدحه، ولأضع أناشيد أخرى في ذمه، فهذا هو الجزاء الوفاق لمن وفيت له فلم يف لي، وأكبرت شأنه فأصغر شأني، وركنت إليه فحيرني. جربت النقل فلم أطمئن إليه ، وجربت العقل فلم أطمئن إليه، فلأرفع علم الشك، وأعلن أنه لا يقين.

سألت عقلي فلم يخبر وقلت له:

سل الرجال فما أفتوا ولا عرفوا

قالوا فمانوا فلما أن حدوتهم

إلى القياس أبانوا العجز واعترفوا •••

أرواحنا منا وليس لنا بها

علم فكيف إذا حوتها الأقبر •••

سألتموني فأعيتني إجابتكم

من ادعى أنه دار فقد كذبا •••

أصبحت في يومي أسائل عن غدي

متحيرا عن حاله متندسا

أما اليقين فلا يقين وإنما

أقصى اجتهادي أن أظن وأحدسا •••

وقد عدم التيقن في زمان

حصلنا من حجاه على التظني •••

نفارق العيش لم نظفر بمعرفة

أي المعاني بأهل الأرض مقصود

لم تعطنا العلم أخبار يجيء بها

نقل ولا كوكب في الأرض مرصود •••

إنما نحن في ضلال وتعليل

فإن كنت ذا يقين فهاته

ولحب الصحيح آثرت الرو

م انتساب الفتى إلى أمهاته

جهلوا من أبوه إلا ظنونا

وطلا الوحش لاحق بمهاته •••

وبصير الأقوام مثلي أعمى

فهلموا في حندس نتصادم

لقد تركت الدنيا للدين، والنقل للعقل، ولذة المادة للذة الروح، فلا أفدت هذا ولا ذاك. وأخيرا:

رحلت فلا دنيا ولا دين نلته

وما أوبتي إلا السفاهة والخرق

عقدة أبي العلاء أتت من عظمته، وضعفه نبع من قوته. قد منح عقلا قويا دائب النشاط يريد أن يطحن كل شيء يصل إليه ليعرف كنهه، وشعورا قويا رحيما بالإنسان راثيا لبؤسه، رحيما بالحيوان معذبا نفسه في سبيل الرحمة به. ومثل هذا الشعور القوي يريد أن يؤمن، ومثل هذا العقل القوي يريد أن يواصل البحث حتى يصل إلى الحقيقة. ولكنه - وهنا موضع العقدة - يريد أن يؤمن بعقله كما آمن بشعوره، والعقل ليس أداة صالحة لإدراك الغيب، إدراك الله والحياة الأخرى والوحي والملائكة وما إلى ذلك؛ إنما خلق ليكون أداة للحياة الدنيا ووسيلة لحفظها وبقائها ورقيها، وهو عاجز كل العجز أن يرسم بريشته عالم الغيب المجهول الذي لا يخضع لقانون سبب ومسبب، ومقدمة ونتيجة، وزمان ومكان، وحيز وحدود.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٦٨١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٦٨١