تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن أجل هذا روي عن علي أنه قال: «لو كان الدين بالعقل لكان المسح على باطن الخفين خيرا من المسح على ظاهرهما»، فجاء أبو العلاء ينقد على هذا النحو فلم يرتح لقوله، ورد عليه الشعراء المتدينون فيما قال.

ثم خطوة أخرى أجرأ وهي عرضه الحديث والأخبار الدينية على عقله، وصرخته بأن كثيرا منها لا يرتضيه العقل، سواء في ذلك ما أتى به اليهود أو النصارى أو المسلمون:

وجاءتنا شرائع كل قوم

على آثار شيء رتبوه

وغير بعضهم أقوال بعض

وأبطلت النهى ما أوجبوه •••

جاءت أحاديث إن صحت، فإن لها

شأنا ولكن فيها ضعف إسناد

فشاور العقل واترك غيره هدرا

فالعقل خير مشير ضمه النادي •••

هل صح قول من الحاكي فنقبله

أم كل ذاك أباطيل وأسمار

أما العقول فآلت أنه كذب

والعقل غرس له بالصدق إثمار •••

ضلت يهود وإنما توراتها

كذب من العلماء والأحبار

قد أسندوا عن مثلهم ثم اعتلوا

فنموا بإسناد إلى الجبار

وإذا غلبت مناضلا عن دينه

ألقى مقالده إلى الأخبار •••

مسيحية من قبلها موسوية

حكت لك أخبارا بعيدا ثبوتها

وفارس قد شبت لها النار وادعت

لنيرانها ألا يجوز خبوتها

فما هذه الأيام إلا نظائر

تساوت بها آحادها وسبوتها •••

تفوه دهركم عجبا فأصغوا

إلى ما ظل يخبر، يا شهود

إذا افتكر الذين لهم عقول

رأوا نبأ يحق له السهود

غدا أهل الشرائع في اختلاف

تقض به المضاجع والمهود

فقد كذبت على عيسى النصارى

كما كذبت على موسى اليهود

ولم تستحدث الأيام خلفا

ولا حالت عن الزمن العهود •••

دين وكفر وأنباء تقص وفر

قان ينص وتوراة وإنجيل

في كل جيل أباطيل يدان بها

فهل تفرد يوما بالهدى جيل •••

إذا رجع الحصيف إلى حجاه

تهاون بالمذاهب وازدراها

فخذ منها بما أداه لب

ولا يغمسك جهل في صراها

والناس لا يحكمون عقلهم في دينهم، إنما هي تقاليد يتبعونها وعادات تحرون عليها:

وينشأ ناشئ الفتيان منا

على ما كان عوده أبوه

وما دان الفتى بحجى ولكن

يعلمه التدين أقربوه

وطفل الفارسي له ولاة

بأفعال التمجس دربوه •••

فى كل أمرك تقليد رضيت به

حتى مقالك: ربي واحد أحد

وقد أمرنا بفكر في بدائعه

وإن تفكر فيه معشر لحدوا

وأهل كل جدال يمسكون به

إذا رأوا نور حق ظاهر جحدوا

وقد سبقه المعتزلة إلى تحكيم العقل في الأحاديث، وأنكروا منها ما لا يتفق والعقل، وخاصة «النظام» فقد كان ينكر الحديث في صراحة إذا كان عقله لا يقره، ولا يكتفي في الحكم على الحديث بالوضع إذا ضعف إسناده، بل أهم من ذلك إذا لم يصبر أمام امتحان العقل؛ ولكن أبا العلاء جرؤ على ما لم يجرؤ عليه النظام وأمثاله، وأراد أن يعرض الأخبار الدينية كلها - أحاديث أو غيرها - على محك العقل، وختم هذه المرحلة بقوله الشديد الجريء:

تقدم صاحب التوراة موسى

وأوقع في الخسار من افتراها

فقال رجاله: وحي أتاه

وقال الآخرون: بل افتراها

وما حجي إلى أحجار بيت

كؤوس الخمر تشرب في ذراها

إذا رجع الحكيم إلى حجاه

تهاون بالشرائع وازدراها •••

وقد كذب الذي يغدو بعقل

لتصحيح الشروع

3

وقد مرضنه

وقد قوبلت أقواله في هذا الباب ببعض السخط، لكن سار فيه أيضا بخطى ثابتة غير مضطربة؛ وإنما قلت: «ببعض السخط»؛ لأنه صاغها صياغة غامضة يحتمل كثير منها التأويل في جانبه.

بعد ذلك نأتي إلى المرحلة الثالثة في نقده العقلي، وهي أخطر المراحل وأشدها وأوعرها، وهي التي تعرض فيها لصميم الدين: هل الله موجود أو لا؟ وهل هناك وحي أو لا؟ وهل هناك حياة أخرى أو لا؟ وهل الإنسان في هذا العالم مجبور أم مختار؟ ما الحق في ذلك كله؟ وأين أجده؟ وكيف أجده؟

هنا كانت تتراءى له الصورتان السابقتان المتعارضتان: صورة الفلسفة اليونانية ومن نحا منحاها، وهي التي تصور أن العقل وحده أداة المعرفة، وهو وحده الذي يستطيع الوصول إلى الحقائق في ذاتها. والمعارف التي تصلنا عن طريقه هي وحدها الحق ولا حق غيرها. والصورة الدينية التي تصور أن الحق يأتي من الله على لسان أنبيائه، وأن مرد الحق إلى الوحي لا إلى الفلسفة، وأن مركز الحق في القلب لا في الرأس. لم يستطع أبو العلاء التوفيق بين الصورتين، ولا أن يكون صورة واحدة مؤلفة منهما، ولا أن يضع لهذه دائرة اختصاص ولتلك دائرة، إنما تركهما - كما هما - تعتركان، وكل ما فعل أنه كان ينظر أحيانا إلى هذه الصورة فتعجبه، ويستلهمها فتلهمه؛ وينظر أحيانا إلى الأخرى فتعجبه، ويستلهمها فتلهمه. إن نظر إلى الأولى ألهمته إلحادا، وإن نظر إلى الأخرى ألهمته إيمانا. ينظر إلى الأولى فيتوقد ذهنه فلا يرى إلا أسبابا ومسببات، ومنطقا ونتائج ومقدمات لا تسلم إلى إسلام، فينكر. وينظر إلى الأخرى فيخفق قلبه ويرهف شعوره، فيترنح من نشوة الإيمان. وهو في كلتا الحالتين صادق معبر عن نفسه أصدق تعبير. وهذا الموقف ليس بعيدا عن حال كثير من المثقفين في كل عصر، فكم منهم يحار ويصدق، ويلحد ويؤمن؛ كالنفس تشدو لها أنغاما حزينة فتحزن، وأنغاما سارة فتسر. والإنسان يطغى أن رآه استغنى، وإذا أدركه الغرق قال: آمنت أن لا إله إلا هو. وأكثر مؤرخي أبي العلاء يخطئون إذ يفرضون في أبي العلاء وحدة الزمان والمكان والفكرة، بل يتصورون نفسه الإنسانية حجرا لا تعتريه حالات؛ فمن اعتقد إيمانه تأول له آيات الكفر، ومن اعتقد كفره لم يأبه بآيات الإيمان. والحق أن من أكفره صادق، ومن جعله مؤمنا صادق؛ كلاهما يصور حالة من حالات نفسه، وما أكثر حالات التغير في النفس اليقظة المتوثبة، ثم هو في حال إيمانه صريح لا يحتاج إلى كناية أو مجاز؛ فهو يتفق وآراء الجمهور. وفى حال إلحاده مضطر إلى الكناية والمجاز خشية السوء. ومع هذا فقد تستغويه الفكرة. فلا يعبأ بالناس ولا يعبأ بموته أو حياته:

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٦٧٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٦٧٩