تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولو سألوه بالذي فوق صدره

لجاء بمين أو أرم وجمجما •••

سألت منجمها عن الطفل الذي

في المهد كم هو عائش من دهره

فأجابها مائة ليأخذ درهما

وأتى الحمام وليدها في شهره

وبعد أن نقدهم طبقات، من الملوك إلى القضاة إلى الوعاظ إلى التجار إلى النساء، نقدهم جملة، فكل الناس في زمان ومكان لا يصلحون إلا للفناء:

وهكذا كان أهل الأرض مذ فطروا

فلا يظن جهول أنهم فسدوا •••

لو غربل الناس كيما يعدموا سقطا

لما تحصل شيء في الغرابيل

أو قيل للنار: خصي من جنى، أكلت

أجسادهم وأبت أكل السرابيل •••

يحسن مرأى لبني آدم

وكلهم في الذوق لا يعذب

ما فيهم بر ولا ناسك

إلا إلى نفع له يجذب

أفضل من أفضلهم صخرة

لا تظلم الناس ولا تكذب

وسبب فسادهم أنهم منحوا العقل فلم يصغوا إليه ولم يلتفتوا له، وتجاذبهم عقل يرشد وطبع يغوي، فجروا وراء طبعهم ولم يلتفتوا إلى عقلهم:

فأوسع بني حواء هجرا، فإنهم

يسيرون في نهج من الغدر لاحب

وإن غير الإثم الوجوه فما ترى

لدى الحشر إلا كل أسود شاحب

إذا ما أشار العقل بالرشد جرهم

إلى الغي طبع أخذه أخذ ساحب •••

واللب حاول أن يهذب أهله

فإذا البرية ما لها تهذيب

من رام إنقاء الغراب لكى يرى

وضع الجناح أصابه تعذيب •••

إلى الله أشكو مهجة لا تطيعني

وعالم سوء ليس فيه رشيد

حجى مثل مهجور المنازل دائر

وجهل كمسكون الديار مشيد •••

العقل إن يضعف يكن من هذه ال

دنيا كعاشق مومس تغويه

أو يقو فهي له كحرة عاقل

حسناء يهواها ولا تهويه •••

فطبعك سلطان لعقلك غالب

تداوله أهواؤه بالتشصص

سقيت شرابا لم تهنأ ببرده

فعنيت من بعد الصدى بالتغصص

وهكذا أفاض في نقد المجتمع ومظاهره ونظمه وأخلاقه، وكان في كل ذلك موفقا كل التوفيق، ومظهر توفيقه أنه استطاع في مهارة أن يدرك عيوب المجتمع في جملتها وتفصيلها، ويعالج ظواهرها، ويعمق في النفس الإنسانية في دقة وتحليل، فيصل إلى دخائلها. ثم هو لم يتناقض في هذا الباب ولم يضطرب ولم يمجمج، وجرى على وتيرة واحدة في صراحة ووضوح وانسجام.

وسبب نجاحه في هذا أمران: الأول: أن الأمور الاجتماعية والأخلاقية التي نقدها هي في صميم اختصاص العقل؛ فالعقل أداة صالحة لربط الأسباب بالمسببات، والأمور الاجتماعية والأخلاقية تجارب تحدث فتحدث نتائجها، تظلم الملوك والحكومات فتسوء حال الأمة، وتعدل فيصلح حالها، وللوعاظ غاية، هي إرشاد الناس من طريق إعطائهم المثل بأنفسهم، والدعوة إلى الخير بألسنتهم؛ فإذا لم تتحقق هذه الأمور فالوعاظ شر، وهكذا. فكل ما نقده أبو العلاء من هذا القبيل داخل في دائرة العقل والتجارب. والأخلاق العقلية التي قررتها الفلسفة اليونانية هي بعينها تقريبا الأخلاق الدينية؛ لأنها أيضا نتيجة تجارب لصالح المجتمع. وقد نقدت مظاهر المجتمع والأخلاق من قبل أبي العلاء، كما فعل ابن المقفع والجاحظ مثلا، ولكن مهارة أبي العلاء كانت في إبرازها إبرازا فنيا رائعا. والسبب الثاني في نجاحه في هذا الباب: أن ناقد هذه الأمور متمتع بكثير من الحرية، فلا لوم عليه إذا نقد المجتمع ونقد الأخلاق، بل إن الناس يصفقون للناقد ويعلون شأنه؛ لأنه يدعوهم بنقده إلى الكمال المحبب إليهم من أعماق نفوسهم؛ لذلك صرح بكل ما يريد في هذا الباب وهو آمن مطمئن فنجح.

بعد هذا انتقل خطوة أخرى - في النقد - أدق، وهي تحكيم عقله في المسائل الدينية الشرعية الفرعية، مثل: اليد كيف تودى بخمسمائة دينار، وتقطع في ربع دينار؟

يد بخمس مئين عسجد وديت

ما بالها قطعت في ربع دينار

تحكم ما لنا إلا السكوت له

وأن نعوذ بمولانا من النار

ومثل أن الإسلام جاء لمحو الأوثان والأنصاب، فكيف عظمت بعض شعائر الحج كاستلام الحجر الأسود وتقبيله ونحو ذلك:

ما الركن في قول ناس لست أذكرهم

إلا بقية أوثان وأنصاب

وهذا النوع قد عرض له أناس من أول عهد الإسلام، أرادوا أن يحكموا العقل في التعاليم الإسلامية فصدوا، كالتي سألت عائشة: ما بال المرأة تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فقالت عائشة: أحرورية أنت؟ وكالذي روي أن ربيعة الرأي سأل سعيد بن المسيب عن عقل أصابع المرأة: ما عقل الإصبع الواحدة؟ قال: عشرة من الإبل. قال: فإصبعان؟ قال: عشرون، قال: فثلاث؟ قال: ثلاثون. قال: فأربع؟ قال: عشرون. قال ربيعة: فعندما عظم جرحها نقص عقلها؟ فقال له سعيد: أعراقي أنت؟ إنما هي السنة.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٦٧٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٦٧٨