قرأ أبو العلاء هذا في الفلسفة اليونانية وتأثر به تأثرا عميقا، يدل عليه ما أشرنا إليه من قبل من تمجيد العقل وسلطانه، ولكنه من ناحية أخرى نشأ في الأوساط الدينية، وقرأ تعاليمها، وتعمق في مبادئها، وهي تقضي بأن وراء العالم المادي المنظور عالما روحانيا غير منظور، وإن كان السلطان في عالم المادة للقانون الطبيعي يدركه العقل، فالسلطان في عالم الروح لله، وإن كانت آلة العالم المنظور وإدراك قوانينه هو العقل، فآلة العالم الروحي وإدراك قوانينه هو الوحي، وفي هذا العالم الروحاني الله لا العقل هو مصدر التشريع وهو المرشد إلى الفضائل والرذائل، وهو واضع الشعائر الدينية، وهو الذي ربط بها الثواب والعقاب، وعلى الإنسان أن يطيع أوامر الدين ولو لم يهتد إلى بعضها بعقله؛ لأن قوة العقل في الإنسان محدودة، ووراء قوة العقل قوة الوحي.
هاتان الصورتان الصغيرتان جدا إذا انعكستا في النفس سببتا الحيرة والاضطراب والقلق، وليس يسلم من قلقها إلا من ألحد جدا فلم يخضع إلا لحكم العقل، أو من آمن جدا فأسلم عقله لإيمانه. وهناك أصناف من المذاهب الدينية والفلسفية أرادت التوفيق بين هاتين الصورتين بأشكال مختلفة مما ليس مقصدنا الآن.
فلننظر إلى أبي العلاء المعري كيف وقف من هاتين الصورتين، وكيف كان موقفه من سلطان العقل وسلطان الدين.
لقد أعلى شأن العقل كما رأينا، وأراد أن يستخدمه على طول الطريق، فبدأ ينقد به العادات والتقاليد ونظام الحياة الاجتماعية في عصره، فكان ذلك موفقا كل التوفيق.
لقد نقد الملوك والأمراء؛ لأنهم بوضعهم العقلي خدام الأمة:
إذا ما تبينا الأمور تكشفت
لنا وأمير القوم للقوم خادم
فما بال هؤلاء الخدام يعدون عليها ويظلمونها:
مل المقام فكم أعاشر أمة
أمرت بغير صلاحها أمراؤها
ظلموا الرعية واستجازوا كيدها
وعدوا مصالحها وهم أجراؤها
وهم يصدرون من الأوامر ما لا يتفق والعقل والعدل، ثم ينفذون ما يأمرون بقوتهم وسلطانهم لا بإقناعهم، فإذا نفذ أمرهم قيل: ما أسوسهم:
يسوسون الأمور بغير عقل
فينفذ أمرهم ويقال: ساسه
فأف من الحياة وأف مني
ومن زمن رياسته خساسه
وهؤلاء الولاة المسيطرون على الناس لا عقل لهم، ولا عدل عندهم، شياطين في ثياب ولاة، لا يهمهم جوع الناس إذا ملئت بطونهم، وخمرت رءوسهم:
ساس الأنام شياطين مسلطة
في كل مصر من الوالين شيطان
من ليس يحفل خمص الناس كلهم
إن بات يشرب خمرا وهو مبطان
وحول هؤلاء الولاة بطانة قد جمدت عواطفهم كأنها الحجارة أو أشد قسوة، لا يرحمون دمعة مظلوم ولا يجيبون صرخة مستغيث:
يجور فينفي الملك عن مستحقه
فتسكب أسراب العيون الدوامع
ومن حوله قوم كأن وجوههم
صفا لم يلين بالغيوث الهوامع
والقضاة لا عقل ولا عدل:
وأي امرئ في الناس ألفي قاضيا
فلم يمض أحكاما كحكم سدوم؟
وفقهاء صناعتهم الكلام، ولا روح ولا أحلام:
كأن نفوس الناس والله شاهد
نفوس فراش ما لهن حلوم
وقالوا: فقيه والفقيه مموه
وحلف جدال والكلام كلوم
ووعاظ يقولون ما لا يفعلون، ويأتون ما ينكرون:
رويدك قد غررت وأنت حر
بصاحب حيلة يعظ النساء
يحرم فيكم الصهباء صبحا
ويشربها على عمد مساء
وشعراء ليسوا إلا لصوصا يعدون على من قبلهم في سرقة أقوالهم، ويعدون على الأغنياء بمديحهم لسلب أموالهم:
وما شعراؤكم إلا ذئاب
تلصص في المدائح والشباب
أضر - لمن تود - من الأعادي
وأسرق للمقال من الزباب
2
وقوم تسودهم الخرافة فيلجئون إلى المنجمين والعرافين والمعزمين، وما لهؤلاء من علم، ولكنها شباك تنصب لاستدرار الأموال من المغفلين والمغفلات:
متكهن ومنجم ومعزم
وجميع ذاك تحيل لمعاش •••
لقد بكرت في خفها وإزارها
لتسأل بالأمر الضرير المنجما
وما عنده علم فيخبرها به
ولا هو من أهل الحجا فيرجما
ويوهم جهال المحلة أنه
يظل لأسرار الغيوب مترجما