وعلى الجملة فالحياة ليست إلا سلسلة تفكير تتبعها سلسلة أعمال، فإن ساء التفكير ساء العمل فساءت الحياة، وإن حسن التفكير حسن العمل فحسنت الحياة.
فإن نحن قلنا: إن شقاء الناس من سوء المنطق لم نبعد.
| سلطان العقل عند أبي العلاء1
يرى القارئ لتراث أبي العلاء - وخاصة اللزوميات - إشادة بالعقل، واعترافا بقوة سلطانه، فهو أعز ما وهب الإنسان:
والعقل أنفس ما حبيت وإن يضع
يوما يضع، فغوى الشراب وما حلب
وهو الهادي الوحيد لمعرفة الخير والشر، والحق والباطل، فلا حاجة إلى انتظار إمام معصوم يرشد الناس إلى ما يعمل وما يترك - كما يقول الشيعة - فالعقل كفيل ببيان ذلك كله.
يرتجي الناس أن يقوم إمام
ناطق في الكتيبة الخرساء
كذب الظن لا إمام سوى العقل
مشيرا في صبحه والمساء
ولكن الناس في كل زمان ومكان ما قدروا العقل قدره، ولا وفوه حقه، ولا عرفوا كيف ينتفعون به:
ما كان في هذه الدنيا بنو زمن
إلا وعندي من أخبارهم طرف
يخبر العقل أن القوم ما كرموا
ولا أفادوا ولا طابوا ولا عرفوا
عاشوا طويلا وماجوا في ضلالتهم
ولا يفوزون - إن جوزوا - بما اقترفوا
بالعقل والتفكير الصحيح تنقشع الغيوم، وتنجاب الظلماء، وتهون الصعاب وتنكشف الحقائق:
إذا تفكرت فكرا لا يمازجه
فساد عقل صحيح هان ما صعبا •••
خذوا في سبيل العقل تهدوا بهديه
ولا يرجون غير المهيمن راج
ولا تطفئوا نور المليك فإنه
ممتع كل من حجى بسراج •••
وفكروا في الأمور يكشف لكم
بعض الذي تجهلون بالتفكير
والدنيا مملوءة بالتجارب، ولكن التجارب طير اختبأ في عشه، إنما يستطيع أن يصيده من منح العقل والعمر:
إن التجارب طير تألف الخمرا
يصيدها من أفاد اللب والعمرا
والعقل هو المرآة الصادقة ترى فيها الحقائق، لا كلام الناس والإخوان:
أرى اللب مرآة اللبيب ومن يكن
مرائيه الإخوان يصدق ويكذب
وإنما يقيد العقل ويمنعه عن إدراك الحق والعمل به ما ركب فيه من طبع وشهوات، فالعقل مغلولا بالشهوات كالشمس يحجبها الغمام:
يتحارب الطبع الذي مزجت به
مهج الأنام، وعقلهم، فيغله
ويظل ينظر، ما سناه بنافع
كالشمس يسترها الغمام وظله
حتى إذا حضر الحمام تبينوا
أن الذي فعلوه جهل كله •••
واللب حارب فينا
طبعا يكابد حربه
والعقل أحسن هاد لفعل الخير وترك الشر، وخير الخير ما أتاه صاحبه لأنه جميل، لا رغبة في مثوبة، ولا خوفا من عقوبة:
عليك العقل وافعل ما رآه
جميلا فهو مشتار الشوار
ولا تقبل من التوراة حكما
فإن الحق عنها في توار •••
فلتفعل النفس الجميل؛ لأنه
خير وأحسن لا لأجل ثوابها
وأخيرا فالعقل نبي صادق، ومن اتبعه رشد، ومن صد عنه غوى:
أيها الغر إن خصصت بعقل
فاسألنه فكل عقل نبي
وهكذا وهكذا ملئت اللزوميات بهذه المعاني وكررت على أشكال مختلفة نكتفي منها بهذه المثل لندل بها على قيمة العقل في نظره وسلطانه والاعتداد به، ولننظر بعد كيف استخدمه.
لقد عمل على نضج عقل أبي العلاء ذكاؤه الفطري واطلاعه على الفلسفة اليونانية وصداها في الفلسفة الإسلامية، وطول تفكيره وتأمله الذي أعانه عليه وحدته وعزلته وتجرده من شواغل الدنيا ما استطاع.
وفي الفلسفة اليونانية لون زاه ألوان العقلية ومن أثر العقليين الذين يرون للعقل الحق المطلق في الحكم على الأشياء والبرهنة على صحتها أو بطلانها، ولا يؤمنون بشيء ولا عقيدة ولا تقاليد ولا مواضعات إلا إذا قام البرهان العقلي على صحتها، وما لم يقم البرهان عليه لا يسلمون به مهما كانت السلطة التي تجيء به، وبذلك أخضع هؤلاء اليونانيون كل شيء للعقل وسلطانه، فكما خلقوا العلوم الرياضية بعقولهم كذلك خلقوا الفضائل والرذائل بعقولهم، وقرروا النظم الاجتماعية، وأشكال الحكم السياسية بعقولهم، من غير أن تمليها عليهم أي سلطة خارجية؛ فالعالم عندهم عالم عقلي، والإنسان ضال ما لم يكتشف قوانين نفسه وقوانين الطبيعة حوله بعقل، ويسر على القوانين التي توائم بين نفسه والعالم الخارجي كما يرشده إليه عقله.