تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن التاجر الناجح في الحياة هو التاجر الذي طبق فن المنطق من عرضه لسلعه، وضبطه خرجه ودخله ورأس ماله وربحه، ومعرفته لنفسية الجمهور وطريقة إرضائهم وهكذا. فإن هو سار على البركة لم ينجح إلا إذا وقع مصادفة على فن المنطق، وضحايا التجار وأرباب الأعمال هم في الواقع ضحايا المنطق الفاسد.

انتقل بعد هذا إلى الجو السياسي تر أن البرلمان الصالح هو السائر في بحوثه، وكلام أعضائه ومناقشاتهم وجدلهم وضبط عواطفهم على فن المنطق، فإن هم انحرفوا عنه فبرلمان فاسد، والبلد الناضج في السياسة هو الذي يسيطر عليه رأي عام يعرف فن المنطق، فيحكم على الأشياء والحوادث والأشخاص حكما صحيحا، يقدر الكلام بما فيه من حقائق لا بما فيه من تهويش، ويقدر المسائل بجواهرها لا بأشكالها. والبلد البدائي في السياسة هو الذي لا يدرك فن المنطق؛ فيقدر السياسي بتملقه له، ويقدر الشيء بمنفعته الحاضرة القريبة وإن استتبعت أضرارا بعيدة، ويخدعه التهويش، وهكذا.

كل الناس صالحون لأن يتقدموا في فن المنطق على اختلاف استعدادهم، ومن الناس من منحوا استعدادا فطريا جيدا، فساروا في الحياة على فن المنطق، وإن لم يعلموا أنه منطق ولم يسمعوا باسم المنطق، ولكن مهما كان الاستعداد فالتربية المنطقية تصقله وتزيده قوة وصفاء.

إن العمل الصحيح هو وليد التفكير الصحيح، والتفكير الصحيح وليد شيئين؛ تثقيف واسع بقدر الإمكان، وبيئة صالحة بقدر الإمكان، فإذا أردنا أن نرقي الشعب من ناحية تفكيره وعمله في الحياة حسب فن المنطق وجب أن نثقفه ما وسعنا تثقيفه، فالجهل عدو التفكير الصحيح، ثم يجب أن نصلح ما حوله بالأمثلة والنماذج الصالحة للتفكير الصحيح، ثم نفتح عينه للتجارب. فهذا العمل جرب فحسنت نتائجه فيجب أن يكرر، وهذا العمل جرب فساءت نتائجه فيجب أن يجتنب أو أن تعاد تجربته على نمط آخر.

بل إن فن المنطق لا يستفاد من التعلم النظري بقدر ما يستفاد مما نسميه التربية الاجتماعية، ونعني بذلك أن الجمعية التي يعيش فيها الفرد هي معهد تربية، فإذا كان هذا المعهد يفكر تفكيرا منطقيا ويعمل وفق تفكيره، كان هذا أكبر مرب للفرد، وكل محل تجاري منظم يجري على فن المنطق هو أكبر معلم لأفراده فن المنطق، وكذلك الأسرة والمصنع والحزب، فالبيئة التي يعيش فيها كل فرد هي مدرسته التي تعلمه حسن المنطق أو سوء المنطق؛ وهذه البيئة قابلة للتغير المستمر من سيئ إلى حسن أو من حسن إلى سيئ؛ فالفلاح يسوء تفكيره لأن بيئته سيئة التفكير خاضعة للاعتقادات الخرافية والتقاليد البعيدة عن فن المنطق، والمصنع الفوضى والمتجر الفوضى أسوأ مدرسة لفن المنطق. فأصلح هذا كله يصلح التفكير فيصلح العمل.

والمدرسة النظامية تقوم بنوعين من التربية: التربية عن طريق العلوم النظرية، وهي قليلة الأهمية هنا، والتربية الاجتماعية، وهي تربية السلوك والناحية العملية في الحياة. ومما يؤسف له أن هذه التربية الثانية إلى الآن ضعيفة، وهي التي عليها عماد التفكير الصحيح والعمل على وفق هذا التفكير.

كذلك من أهم معاهد التفكير الصحيح السينما والتمثيل والصحافة؛ فهي دائما تعرض نماذج في التفكير ومن الحوار ومن العمل وفق التفكير، فإذا أصلحت حدث فن المنطق في الأمة ورفعته، وإلا أفسدته ووضعته.

إن عهود الظلام السابقة خلفت لنا ديونا ثقيلة من تقاليد وأوضاع لا تتفق وفن المنطق؛ فعاداتنا في الزواج والطلاق والأفراح والمآتم، واعتقاداتنا في الأضرحة والمشايخ وطب الركة والرقى والتعاويذ ونحو ذلك، كلها ضربات سامة في صميم فن المنطق، تميت الفكر الصحيح، وتجعل الأعمال الصادرة عنه أشبه بأعمال المخبولين والمعتوهين، فإذا رقي الفكر بالوسائل التي ذكرنا حل محلها تدريجا تقاليد مبنية على المنطق.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٦٧٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٦٧٥