لست أريد أن أغمط الأسلوب حقه، فالأسلوب عنصر كبير من أهم عناصر الأدب، وله فضل كبير على المعاني، فهو يرقى بالمعنى إلى حد الإعجاب، بل هو قد يعمد إلى المعاني المألوفة فيخرج بها إلى مستوى رفيع، ولكن أريد أن أقول: إننا - وفي عصرنا خاصة - لا يمكن لأديب أن يتبوأ مكانا عالميا إذا اعتمد على الأسلوب وحده، وكان مصابا بالفقر العقلي، وإن الأدب الحق يجب أن يرتكز على ركنين أساسيين لا بد منهما، وهما الموضوع والأسلوب. وإعجاب الناس إذا كان مبنيا على الأسلوب وحده إعجاب موقوت كالإعجاب بأعمال الحواة والمهرجين. إنما يطول الإعجاب يوم يعتمد على الموضوع في أسلوب، لا على الأسلوب له صورة موضوع.
| المنطق العملي
كثير من الناس يخطئون فيظنون أن مجال المنطق هو الدراسة النظرية والبحوث الجامعية والبيئات العلمية، ولكن الواقع غير ذلك، فأعمال الحياة كلها خاضعة للمنطق - الفلاح في زراعته، والتاجر في بيعه وشرائه، والإنسان في أسرته وفي وظيفته وفي جمعياته، كل أولئك خاضعون في كل تصرفاتهم للمنطق العملي.
غاية الفرق أن ما يدرس في معاهد العلم هو علم المنطق، وما يستخدم في الحياة اليومية هو فن المنطق، وذلك كعلم الموسيقى الذي يدرس النظريات، وفن الموسيقى الذي يعلم التوقيع على الآلات، وعلم الهندسة وفن الهندسة، وعلم البلاغة، وفن البلاغة، وهكذا. العلم يقرر القواعد النظرية، والفن يمارس الناحية العلمية.
وأعتقد أن من أهم الفروق بين تاجر راق وتاجر منحط وفلاح راق وفلاح منحط وأسرة راقية وأسرة منحطة وأمة راقية وأمة منحطة هو استخدام الطائفة الأولى لفن المنطق، وإهمال الثانية له، وأن من أهم وجوه الإصلاح في الأفراد والجماعات نشر فن المنطق بينهم.
الخصام بين الناس، والنازعات بين الأحزاب، وسوء المعاملة بين الملاك والزراع وبين الباعة والمشترين وبين الرؤساء والمرءوسين وبين أصحاب الحاجات والموظفين، يرجع في الأعم الأغلب إلى سوء التفكير وانعدام فن المنطق أو ضعفه. فرق التفكير في أية طائفة من الطوائف واجعلهم يؤسسون تفكيرهم على المنطق، ويصدرون في أعمالهم حسب فن المنطق ترتق المعاملة وترتق الطائفة.
استعرض ما شئت من التصرفات تجد أن صواب التصرف راجع إلى انطباقه على فن المنطق، وخطأه وما ينتج عنه من أضرار راجع إلى الانحراف عن فن المنطق. هب أن الأسرة قررت شراء سيارة، ففن المنطق يقضي بحساب ميزانية البيت ودرس ثمن السيارة وما تتكلفه كل شهر ومنافعها ومضارها ودرس ما تحتاجه الأسرة من ضروريات وكماليات، ومنزلة السيارة من هذه الأشياء الضرورية والكمالية، ومنزلة ثمن السيارة من ميزانية الأسرة، فإن درس ذلك كله درسا صحيحا ورؤي من المستحسن شراء السيارة، فهذا من فن المنطق. ولكن إن اشتريت السيارة من غير درس وموازنة ومقارنة، فقد أهمل فن المنطق وتعرض رب الأسرة لأضرار كثيرة. وعلى هذا القياس كل ما يحصل من متاعب في الأسرة من جهة الميزانية سببه إهمال فن المنطق.
خذ مثلا آخر في الأسرة: أم مرض طفلها فارتفعت حرارته واستمرت مرتفعة، فسألت الجيران ماذا تفعل! فكل أشار عليها بعمل، فعملت بالإشارة الأولى فلم تنجح، فعملت بالإشارة الثانية، ثم بالثالثة فمات الطفل. إن الطفل إنما مات من إهمال المنطق، فالمنطق الصحيح عرض الطفل على الطبيب ليعرف نوع المرض وما يناسبه من علاج.
هذه أمثلة صغيرة جدا واضحة جدا، ولكن استعرض على ضوئها كل ما يشقي الأسرة تجد أنه راجع إلى إهمال المنطق من الأسرة، أو من ربة الأسرة أو من أولاد الأسرة، وأن الأخطاء راجعة إلى أن أعمالا تعمل قبل أن تدرس ويفكر فيها تفكيرا صحيحا، أو أنها درست ولكن اتخذ لتحقيقها وسائل غير صحيحة، أو قومت فيها اعتبارات سخيفة لأسباب سخيفة غمرت الاعتبارات الصحيحة وهكذا. كذلك الشأن إن نحن وسعنا نظرنا من الأسرة إلى علاقاتنا الاجتماعية والسياسية، فهي تحسن بالمنطق وتسوء بعدم المنطق.