تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وثوب لصوص عند غفلة نائم

وفخر بأعمال المسلمين ومجدهم القديم:

ألم ننتزع منكم بأيد وقوة

جميع بلاد الشام ضربة لازم

ومصرا وأرض القيروان بأسرها

وأندلسا قسرا بضرب الجماجم

ثم أنذرهم بالمجد الحديث:

رويدا يعد نحو الخلافة نورها

ويكشف مغبر الوجوه السواهم

وحينئذ تدرون كيف فراركم

إذا صدمتكم خيل جيش مصادم

على سلف العادات منا ومنكم

ليالي أنتم في عداد الغنائم

وأطال في ذكر فعال السابقين وأمله في الحاضرين والقادمين والإسلام والمسلمين، وبشر بفتح القسطنطينية والهند والصين:

وإلى أن يرى الإسلام قد عم حكمه

جميع البلاد بالجيوش الصوارم

وهكذا إلى أن أتمها 137 بيتا وختمها بالموازنة بين قصيدته التي كالعقد الفريد، وبين قصيدة الخصم الباردة:

أتيتم بشعر بارد متخاذل

ضعيف معاني النظم جم البلاعم

فدونكها كالعقد فيه زمرد

ودر وياقوت بإحكام حاكم

ثم أسدل الستار على هذه المعركة العنيفة، ولم يكن الحكم فيها - للأسف - لرجال البلاغة ولا جهابذة النقد، وإنما كان الحكم فيها للسيف، وظل بيت أبي تمام صادقا على مدى الدهور:

السيف أصدق أنباء من الكتب

في حده الحد بين الجد واللعب

| في الأدب العربي (1)

أدب الفيل

المعروف أن الأدب العربي عني أكثر ما عني بالإبل لأنها كانت عماد العرب في حياتها، فلم يتركوا شيئا فيها حتى عالجوه جملة وتفصيلا. ومع هذا فلما اتصلوا بغيرهم من الفرس والهنود ورأوهم يعتمدون - فيما يعتمدون - على الفيل، عالجوه في أدبهم كما استخدموه في حروبهم امتثالا لقوله تعالى:

وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة . ولو عاشوا اليوم ورأوا الدبابات والطائرات لاستخدموها في حروبهم وأدبهم.

لقد رأى العرب الفيل في غزو الحبشة لهم لما أتوا من اليمن يريدون هدم الكعبة، ففشلوا وجاءت في شأنهم سورة الفيل.

ثم شاهد العرب الفيلة في حروبهم مع الفرس في غزوة القادسية وجلولا ونهاوند، فلم يخافوا ولم يهنوا، فغلبوهم بجمالهم؛ لأنه كان مع الجمال قلوبهم - وقلوبهم قلوب أسود - وكان مع الفيلة قلوب أعدائهم، وقلوبهم هواء.

وظهر في آخر العصر الأموي شاعر اسمه هارون بن موسى الأزدي بالولاء، كان شاعرا وكان يحارب مع المسلمين بالمولتان من أرض الهند، مارس الفيلة في الحروب فعالجها في الشعر، وقال في صفات الفيل أشعارا كثيرة، وقد حكوا عن هارون هذا أنه اكتشف سرا خطيرا وهو أن الفيل يخاف من الهر، فجاء الموقعة ومعه هر خبأه في ملابسه فلما دنا من الفيل رمى الهر في وجهه ففزع الفيل وولى هاربا، وهربت الفيلة على أثره، وتساقط الأعداء من فوقها فكان ذلك سبب الهزيمة، وأترك تحقيق ذلك لعلماء الحيوان.

ولما رأى المسلمون أن خصومهم يعتمدون على الفيلة في حروبهم، لم يجمدوا، وألفوا في جيوشهم فرقة الفيلة، فكان في جيش أبي جعفر المنصور فرقة الفيلة والفيالين، وكذلك من بعده من خلفاء العباسيين، ومرنوا عليها ومهروا فيها مهارة خصومهم.

وعالج المعتزلة موضوع الفيلة كما عالجوا الحيوانات كلها من ناحية دلالتها على عظمة خالقها، ومن ناحية «أعاجيب ما ركبت عليه من الدفع عن أنفسها والعمل على ما يحييها، وإدراكها ذلك بالطبع من غير روية، وبحس النفس من غير فكرة، ليعتبر معتبر، ويفكر مفكر؛ ولينفي عن نفسه العجب ويعرف مقداره من العجز ونهاية قوته ومبلغ نفاذ بصره، وأن الأعاجم من أجناس الحيوان يبلغ في تدبير معيشته ومصلحة شأنه ما لا يبلغه ذو الروية التامة والمنطق ،البليغ، وأن منها ما يكون ألطف مدخلا، وأرق مسلكا وأصنع كفا وأجود حنجرة»

1

وعلى ذلك ألف المعتزلة القصائد الطوال في بديع صنع الله في الحيوان، كما ألف الجاحظ كتابه الممتع في الحيوان، وأعجب ذوو المشاعر والذوق بالفيل لما رأوا فيه من صفات جميلة جليلة؛ فله من القوة ما يقلع الشجرة الكبيرة ويهدم الحائط الضخم، وهو إلى ذلك وديع لسائسه وداعة الحمل، وهو ثقيل الوزن خفيف الوطء حتى قد يمر بجانب الإنسان، فلا يشعر به لحسن خطوه، وهو بديع المنظر عظيم الصورة، جمع إلى الجلال الجمال، يعجبك بطول خرطومه وجمال أنيابه وسعة أذنيه، قابل للتأديب فيعلم السجود للملوك وممارسة القتال في الحروب، من أذكى الحيوانات وأقربها إلى الإنسان. وقد علمه الإنسان القاسي القسوة؛ فكان ملوك الفرس يمرنونه على قتل من شاءوا بخبطه ودوسه، فكانت الأكاسرة تلقي لها بالرجل فتنقض عليه وتضربه وتدوسه حتى يفارق الحياة، وليس الذنب ذنبها، وإنما ذنب لإنسان الذي علمها، وجرى ذلك إلى الشعر العربي فقال الشاعر:

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٦٧١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٦٧١