تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأخبط خبط الفيل هامة رأسه

ثم كان الفيل مصدر وحي للأفكار والمعاني عند الفرس والهنود، وانتقل ذلك إلى اللغة العربية عن طريق كتاب كليلة ودمنة، فهو غني بالأمثال المشتقة من الفيلة مثل: «وقال العلماء: إن الرجل الفاضل لا ينبغي أن يرى إلا في مكانين ولا يليق به إلا أحدهما: إما مع الملوك مكرها وإما مع النساك متبتلا، كالفيل إنما بهاؤه وجماله في مكانين: إما في برية وحشيا وإما مركبا للملوك»، وفيه «إن مثلك في هذا كما قال التاجر: إن أرضا يأكل جرذانها مائة من من حديد غير مستنكر إن تخطف بزاتها الفيلة»، وفيه «إن الكريم إذا عثر لم يستعن إلا بالكريم، كالفيل إذا وحل لم يستخرجه إلا الفيلة» إلخ إلخ.

ولحظت العرب في الفيل كثرة أكله وشدته وعظم خلقه، فضربت بذلك كله الأمثال فقالت: آكل من فيل، وأشد من فيل، وأعجب من خلق فيل.

ورووا أنه حضر فيل في المدينة وكان مالك بن أنس يدرس في المسجد، فقال قائل: قد حضر الفيل. فقام تلاميذ مالك ينظرون إلى الفيل وتركوه، إلا يحيى بن يحيى الليثي الأندلسي، فقال له مالك: لم لم تخرج لترى هذا الخلق العجيب وليس في بلادك؟ قال: إنما أتيت لآخذ علمك ولم آت لأنظر الفيل.

وحدث في سنة (371ه) أن وقع خلاف في أسرة بني بويه، وقاتل عضد الدولة البويهي فخر الدولة البويهي أيضا، فانهزم فخر الدولة والتجأ إلى قابوس بن وشمكير بجرجان، فطلبه عضد الدولة، فأبى قابوس أن يسلمه، فتحاربا وانهزم قابوس، وكان في الجيش المنتصر السياسي الأديب الصاحب بن عباد، وكان فيما غنموا فيل عظيم كثر الحديث عنه، فلما سكت السيف تكلم اللسان، فاقترح الصاحب بن عباد على الشعراء أن يقولوا في الفيل، واشترط عليهم أن يكون ما يقولون على وزن وقافية قصيدة عمرو بن معد يكرب البطل الشجاع المشهور فارس اليمن:

أعددت للحدثان سا

بغة

2

وعداء علندى

وكان موفقا في هذا الاختيار، فالقصيدة حماسية قوية، وهي إلى حماستها ظريفة الوزن جيدة الوقع، فتدفق الشعر في الفيل، وكان لنا من ذلك أدب فيل وفير غزير نسوق طرفا منه. فمما قال أبو الحسن الجوهري:

فيل كرضوى

3

حين يلبس

من رقاق الغيم بردا

مثل الغمامة ملئت

أكنافها برقا ورعدا

رأس كقلة شاهق

كسيت من الخيلاء جلدا

فتراه من فرط الدلا

ل مصعرا للناس خدا

يزهى بخرطوم كمثل

ل الصولجان يرد ردا

متمدد كالأفعوا

ن تمده الرمضاء مدا

أو كم راقصة تس

ير به إلى الندمان وجدا

وكأنه بوق يحر

كه لينفخ فيه جدا

يسطو بساريتي لجي

ن يحطمان الصخر هدا

أذناه مروحتان أس

ندتا إلى الفودين عقدا

عيناه غائرتان ضي

قتا لجمع الضوء عمدا

فك كفوهة الخلي

ج يلوك طول الدهر حقدا

تلقاه من بعد فتح

سبه غماما قد تبدى

متنا كبنيان الخور

نق ما يلاقي الدهر كدا

ذنبا كمثل السوط يض

رب حوله ساقا وزندا

يخطو على أمثال أع

مدة الخباء إذا تصدى

أو مثل أميال

4

نضد

ن من الصخور الصم نضدا

متلفع بالكبريا

ء كأنه ملك مفدى

أذكى من الإنسان حتى

لو رأى خللا لسدا

لو أنه ذو لهجة

وفى كتاب الله سردا

ومما قاله عبد الصمد بن بابك:

وممسك البردين في

شبه النقا شية وقدا

فكأنما نسجت عليه

يد الغمام الجون جلدا

وإذا تخلل هضبة

فكأن ظل الليل مدا

وإذا هوى فكأن رك

نا من عماية

5

قد تردى

وإذا استقل رأيت في

أعطافه هزلا وجدا

إلخ. إلخ.

وقال أبو محمد الخازن:

كبنية

6

من عنبر

دعمت سواري الساج نضدا

لولا انقلاب لسانه

لرأيته خصما ألدا

وكأنما خرطومه

راووق خمر مد مدا

أو مثل كم مسبل

أرخته للتوديع سعدى

وإذا التوى فكأنه الث

عبان من جبل تردى

يكسى الحداد وتارة

يكسى نسيج الذرع سردا •••

قد ساد كل بهيمة

كيسا ومعرفة وجدا

فكأنما يوم الوغى

يكسى من الخيلاء بردا

وإذا انثنى من حربه

يسعى فيرقص دستبندا

7

إلخ. إلخ.

وهكذا أقاموا معمعة حول الفيل كما أقاموا معمعة حول الملك.

وفي هذا القدر اليوم كفاية.

| فى الأدب العربي (2)

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٦٧٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٦٧٢