تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

سأفتح أرض الشرق طرا ومغربا

وأنشر دين الصلب نشر العمائم

ولم يكتف بإرسال هذه القصيدة للخليفة المطيع، بل نشرها بين المسلمين وفي الجند المحاربين إضعافا لقوتهم، كما توزع اليوم المنشورات بالطيارات، فنالت القصيدة من المسلمين مبلغا يهد الأعصاب ويثير كوامن الشجون.

وكان في جند المسلمين الذين يحاربون في الثغور عالم من أكبر علماء الشافعية اسمه القفال الشاشي الخراساني، ناشر فقه الشافعية في بلاد ما وراء النهر، لم يمنعه علمه وفضله أن يلتحق بالجيش جنديا يوم كان علماء الدين يعرفون حمل السلاح وركوب الخيل، ويجيدون القتال - فكما كان القفال هذا يجيب عن سهم بسهم وضربة سيف بضربة سيف، حملته الغيرة الدينية أن يجيب عن هذه القصيدة بقصيدة من نفس البحر والقافية، بدأها بقوله:

أتاني مقال لامرئ غير عالم

بطرق مجاري القول عند التخاصم •••

وقال: مسيحي وليس كذاكم

أخو قسوة لا يحتذي فعل راحم

وما الملك الطهر المسيحي غادرا

ولا فاجرا ركانة للمظالم

تثبت - هداك الله - إن كنت طالبا

لحق، فليس الخبط فعل المقاسم

ولا تتكبر بالذي أنت لم تنل

كلابس ثوب الزور وسط المقادم

وما العجز في ركض على أهل غرة

وهل ذاك إلا من مخافة هازم

وهل نلت إلا صقع طرسوس بعد أن

تسلمتها من أهلها كالمسالم

وفخر بفعل المسلمين من قبل فقال:

ترى نحن لم نوقع بكم وبلادكم

وقائع يتلى ذكرها في المواسم؟

مئين ثلاثا من سنين تتابعت

ندوس الذرى من هامكم بالمناسم •••

أتذكر هذا أم فؤادك هائم

فليس بناس كل ذا غير هائم •••

طردناكم قهرا إلى أرض رومكم

فطرتم من الشامات طرد النعائم

ورد عليه في أسره وسبيه وبين الفرق بين معاملة المسلمين للأسارى والسبايا ومعاملة الروم لهم فقال:

وعظمت من أمر النساء وعندنا

لكم ألف ألف من إماء وخادم

ولكن كرمنا إذ ظفرنا وأنتم

ظفرتم فكنتم قدوة للألائم

ورد عليه في أمانيه في الفتوح فقال:

وعددت بلدانا تريد افتتاحها

وتلك أمان ساقها حلم حالم

ومن رام فتح الشرق والغرب ناشرا

لدين صليب فهو أخبث رائم

لئن كان بعض العرب طارت قلوبهم

أو ارتد منهم حشوة كالبهائم

فللحق أنصار ولله صفوة

يذودون عنه بالسيوف الصوارم

أتتك خراسان تجر خيولها

مسومة مثل الجراد السوائم

كهول وشبان حماة أحامس

ميامن في الهيجاء غير مشائم

غزاة شروا أرواحهم من إلههم

بجناته والله أوفى مساوم

ورد عليه أمله في فتح بلاد المسلمين بأمل المسلمين في فتح القسطنطينية:

ونرجو بفضل الله فتحا معجلا

ننال بقسطنطين ذات المحارم

هناك يرى نقفور والله قادر

ينادى عليه قائما في المقاسم

ويجري لنا في الروم طرا وأهلها

وأموالها جمعا سهام المغانم

فيضحك منا سن جذلان باسم

ويقرع منه سن خزيان نادم

وإن تسلموا فالسلم فيه سلامة

وأهنأ عيش للفتى عيش سالم

ومن العجيب أنه لما رد عليه في سوء الحكام وفساد القضاة سلم بهذا ولم ينكره وقال:

وقلتم: ملكناكم بجور قضاتكم

وبيعهم أحكامهم بالدراهم

وفى ذلك إقرار بصحة ديننا

وأنا ظلمنا فابتلينا بظالم

وسافرت قصيدة نيقفور برا وبحرا حتى وصلت الأندلس، فعز عليها ألا تساهم في الرد عليها كما ساهم الشرق، فأنشأ ابن حزم الإمام العالم الأديب المعروف قصيدة أخرى على نفس الروي والقافية، أولها:

من المحتمي بالله رب العوالم

ودين رسول الله من آل هاشم

ورثى لحال الخليفة العباسي وأن ليس في يده شيء حتى يدعوه نيقفور:

دعوت إماما ليس من أمر آله

بكفيه إلا كالرسوم الطواسم

دهته الدواهي في خلافته كما

دهت قبله الأملاك دهم الدواهم

ولا عجب من نكبة أو ملمة

تصيب الكريم الحر وابن الأكارم

ولو أنه في حال ماضي جدوده

لجرعتمو منه سموم الأراقم

ويقول: إنكم إنما ظفرتم بالمسلمين لتخاذلهم:

ولما تنازعنا الأمور تخاذلا

ودالت لأهل الجهل دولة ظالم

وقد شغلت فينا الخلائف فتنة

لعبدانهم من تركهم والديالم

وثبتم على أطرافنا عند ذلكم

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٦٧٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٦٧٠