تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولئن أوخذ على قوله : «كلب الروم» فقد كان يعتمد على قوته وثقته بالنصر - وعلى كل فقد ،سار الرشيد إلى هرقلة

1

ففتح وغنم حتى سأله نيقفور الصلح، وتبين أن الرشيد كان أصدق نظرا.

ثم ما كان في عهد المعتصم من خروج ملك الرومان تيوفيل (ثيوفليوس) إلى زبطرة

2

وقتله وسبيه من المسلمين، فخرج إليه المعتصم وكانت وقعة عمورية المشهورة التي خلفت لنا قصيدة أبي تمام: «السيف أصدق أنباء من الكتب».

ثم كانت الحروب بين سيف الدولة الحمداني والروم، وقد تركت لنا ثروة كبيرة من شعر المتنبي وأبي فراس.

ولكن هذا كله كان شعرا من جانب واحد، أما القصة التي أرويها اليوم فشعر من جانبين بعد أن ضعف المسلمون بعض الشيء واستأسد النمر.

كانت الحادثة في عهد نيقفور الثاني فوكاس

Nicophorus II Phocas

ملك الروم (963-969م) (352-359ه)، وكان قد تولى عرش الروم بالقسطنطينية، وكان معروفا بالإقدام، متصفا بالصفات العسكرية، يتولى بنفسه قيادة الجيوش، وقد غزا بلاد المسلمين لما أحس منهم الضعف بسبب ما نالهم من الانقسام والحروب الداخلية، ففتح المصيصة ودخل طرسوس، فجعل جامعها اصطبلا لدوابه، واستولى على بعض بلاد الشام وعلى قبرص - وليس يهمنا هنا الحروب الآلية والمادية، وإنما يهمنا الحروب الشعرية.

فقد كان من أطرف ما حدث أن نيقفور الثاني هذا بعث إلى الخليفة العباسي قصيدة عربية فظيعة اهتز لها المسلمون أكثر مما اهتزوا لهزيمة حربية وحزنوا لها أكثر مما حزنوا لفقد بعض مدنهم، أما من أنشأ هذه القصيدة لنيقفور فلم نعرف عنه شيئا، والغالب أن يكون عربيا ،متنصرا، وقد روى لنا التاريخ أن بعض عرب تنصروا والتحقوا بالقسطنطينية

3

وقد كان في بلاطه كثير ممن يتقنون العربية، ويقومون بالترجمة وبالمكاتبات الرسمية. وهي قصيدة طويلة تنيف على الخمسين بيتا أرسلها نيقفور إلى الخليفة العباسي المطيع لله، وأولها:

من الملك الطهر المسيحي رسالة

إلى قائم بالملك من آل هاشم

أما سمعت أذناك ما أنا صانع

بلى، فعداك العجز عن فعل حازم

ثغوركم لم يبق فيها لوهنكم

وضعفكم إلا رسوم المعالم

فتحنا ثغور الأرمنية كلها

بفتيان صدق كالليوث الضراغم

ونحن جلبنا الخيل تعلك لجمها

ويلعب فيها بعضها بالشكائم

إلى كل ثغر بالجزيرة آهل

إلى جند قنسرينكم والعواصم

واسترسل في ذكر كثير من البلاد وما فعلوا فيها على هذا النمط، وذكر ما كانوا يفعلون بالأسارى والسبايا:

وكم ذات خدر حرة علوية

منعمة الأطراف غرثى المعاصم

سبينا، وسقنا، خاضعات حواسرا

بغير مهور، لا ولا حكم حاكم

وكم من قتيل قد تركنا مجندلا

يصب دما بين اللها واللهازم

وكم وقعة في الدرب ذاقت كماتكم

فسقناكم سوقا كسوق البهائم

ويرسم في القصيدة خطة سيره فيقول: إنه سيستولى على دمشق مسكن آبائه وغيرها من المدن:

ومسكن آبائي دمشق وإنه

سيرجع فيها ملكها تحت خاتمي

ومصر سأفتحها بسيفي عنوة

وأحرز أموالا بها في غنائمي •••

ألا شمروا يا أهل بغداد ويلكم

فملككم مستضعف غير دائم

رضيتم بأن الديلمي خليفة

فصرتم عبيدا للعبيد الديالم

4

سألقي بجيشي نحو بغداد سالما

إلى باب طاق ثم كرخ القماقم

5

فأحرق أعلاها وأهدم سورها

وأسبي ذراريها على رغم راغم

ومنها إلى شيراز والري فاعلموا

خراسان قصدي بالجيوش الصوارم

فأسرع منها نحو مكة سائرا

أجر جيوشا كالليالي السواجم •••

وأسري إلى القدس التي شرفت لنا

عزيزا مكينا بانيا للدعائم

ولما أتم إعلان خطته قرع المسلمين تقريعا فظيعا بأنهم ساء حكمهم، فلم يعودوا صالحين لإدارة البلاد فقد ملؤوها جورا وظلما، وأفسدوا القضاء بالرشا وشهادة الزور، فكيف بعد يصلحون؟

ملكنا عليكم حين جار قويكم

وعاملتم بالمنكرات العظائم

قضاتكم باعوا جهارا قضاءهم

كبيع ابن يعقوب ببخس الدراهم

شيوخكم بالزور طرا تشاهدوا

وبالبز والبرطيل في كل عالم

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٦٦٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٦٦٩