تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكذلك لا أفهم معنى للشرق والغرب بالتفسير الذي يقصدونه، وهو أن هناك فروقا خلقية وطبيعية بين سكان في بقعة وسكان في بقعة أخرى، وأن هذه الفروق قدر محتم كالقدر الذي جعل هذا حجرا وهذا نباتا وهذا حيوانا، وهذا برا وهذا بحرا، وأنه من المستحيل أن يتحول هؤلاء إلى أولئك ولا أولئك إلى هؤلاء. وعبروا عن هذا المعنى بقولهم: «الشرق شرق والغرب غرب» أي: كما نقول: الأرض أرض والسماء سماء.

فهذه نظرية خلقها التعصب وخلقتها السياسة. والحق أن القوانين الطبيعية لا تعرف هذه الحدود الفاصلة، وإنما تعرف موجات يتموج بها العالم كله، وتعرف أن الرقي العقلي وحضارة العالم وعلمه وخلقه سلم واحد تقف منه الأمم على درجات، وتقف كل أمة منه على قدر استعدادها وجدها، وأن ليست الدرجة العليا وقفا على قوم دون قوم ولا على جنس اسمه الغرب دون جنس اسمه الشرق، بل الدرجات تتبادل، والدرجة العليا تحتلها الأمم بالتناوب، وكل أمة بلغت أعلى درجة في شيء أفسحت الطريق أمام الآخرين ليبلغوها وقد يزيدون عليها، وليست الأمم تماثيل واقفة على سلمها لا تتعداه، فالعالم لا يعرف السكون وإنما يعرف الحركة، والسلم عليه دائما حركات بهلوانية يرتفع عليه قوم وينخفض آخرون.

لقد وسع الهوة بين ما يسمى بالشرق وما يسمى بالغرب طائفتان: رجال الدين ورجال السياسة. فأما رجال الدين فقد شاء القدر أن يكون ما يسمى بالغرب مسيحيا وما يسمى بالشرق مسلما أو بوذيا أو غير ذلك. فنشط رجال الدين يبشرون، وكان من وسائل ذلك الرمي بالانحطاط والضعف وتصوير الشرق في صورة وضيعة، واستتبع ذلك رد فعل من الشرق بالكراهية والنفور والتحفظ وسوء الظن وما إلى ذلك. وأما رجال السياسة فقد لعبت برؤوسهم الوطنية، ولعبت الوطنية دورها في العداء بين الأمم الأوروبية نفسها، ولكنها وجدت مجالها الفسيح فيما يسمى بالشرق، فتسابق الساسة الأوروبيون في أن يقدموا لأممهم الهدايا من الشرق بالاستعمار والانتداب والتدخل وبسط النفوذ، وكلما كان المكسب أكثر كانت الأوسمة والألقاب التي يكافأ بها على الوطنية أكثر. وكما حصل رد الفعل من رجال الدين حصل كذلك من رجال السياسة، فقوبلت وطنية الغرب بوطنية الشرق، وحصل النزاع المستمر بالقلم دائما وبغير القلم أحيانا.

ولا شفاء من هذا إلا بتعديل الأساس وهو إلغاء استعمال كلمة الشرق والغرب، بالمعنى الذي تعورف عليه إلى اليوم، والنظر إلى العالم كوحدة، وتبادل المصالح عن طريق التعاون لا طريق الاستغلال، وإحلال الإنسانية محل الوطنية.

لو فكر الساسة تفكيرا عميقا وحسبوا ما يكسبون حقا وما يخسرون حقا من نظرتهم القديمة لوجدوا الخسارة أكثر من المكسب، وأن المصالح المشتركة يمكن التفاهم عليها عن طريق التعاون والأخذ والعطاء، لا عن طريق الأخذ قسرا من غير عطاء، ولا عن طريق الوطنية الضيقة بالنظر إلى الكسب فقط.

وقد آن الأوان لتعديل هذا الأساس، فما يسمى الشرق لم يعد طفلا غرا يضحك عليه باللعب، وما يسمى الغرب قد ذاق مرارة الوطنية الحادة، ودعاة الإصلاح منهم يكثرون ويكثرون من الدعوة إلى الإنسانية بدل الوطنية حتى في معاملة الأمم المهزومة.

وتعديل الأساس على هذا المنوال هو ما تنادي به الطبيعة نفسها، وما ينادي به تقدم العلم وتقدم الاختراع الذي جعل من العالم وحدة. والقوانين الطبيعية لا ترحم، فإن سمع إليها القادة فبشرهم بنعيم مقيم، وإلا فبعذاب أليم.

| موقعة شعرية

من عهد النبي

صلى الله عليه وسلم

والاحتكاك مستمر بين المسلمين والإمبراطورية الرومانية الشرقية، بدأ ذلك بكتاب الرسول

صلى الله عليه وسلم

لهرقل، ثم بالفتوح التي فتحها عمر بن الخطاب ومن بعده، وقد ظلت بلاد آسيا الصغرى مسرحا للحروب والقتال بين المسلمين والرومانيين في العصر العباسي، فالمؤرخون يذكرون ما دار من محاربة نثرية بين هارون الرشيد ونيقفور، إذ كتب الثاني للأول: «من نيقفور ملك الروم إلى هارون ملك العرب. أما بعد، فإن الملكة التي كانت قبلي أقامتك مقام الرخ وأقامت نفسها مقام البيدق، فحملت إليك من أموالها ما كنت حقيقا بحمل أضعافه إليها، لكن ذلك من ضعف النساء وحمقهن، فإذا قرأت كتابي هذا فاردد ما حصل لك من أموالها، وإلا فالسيف بيننا وبينك» فأجابه الرشيد: «من هارون أمير المؤمنين إلى نيقفور كلب الروم، وقد قرأت كتابك والجواب ما ترى لا ما تسمع».

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٦٦٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٦٦٨