تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وليس كل الذنب في تقصير الشرق راجعا إليه وحده. نعم إنه تكاسل وتواني وأخلد إلى الراحة حينا طويلا، لكن جزءا كبيرا من المسئولية يرجع إلى الغرب، فهو لم يأخذ بيده إلى الآن كهاد ومرشد، بل هو إذا رأى الشرق ينتبه، ويدرك سر التقدم الغربي ويبدأ في أن يسير سيرته ويحذو حذوه صده ووقف في سبيله لمنفعة له وقتية أو نظر أناني قصير أو استغلال مادي حقير، إن أراد استخراج الحديد من أرضه لم يشجعه، وإن أراد أن يغزل قطنه لم يؤيده، وإن أراد أن يقوي جيشه لم يفسح الطريق له، وإن أراد أن يصلح سياسته كما يرى وكما ينبغي لم يمكنه من ذلك، ثم عيب عليه تقصيره وتخلفه واتهم بأن عجزه طبيعة فيه.

إن المدنية الغربية قامت على أكتاف أشخاص يعدون على الأصابع أمثال: جاليليو وكبلر وهارفي ونيوتن وغيرهم، لو منح مثلهم الشرق لتحول تحولا خطيرا وسار إلى الأمام سريعا. ولكن لم منح الغرب هؤلاء ولم يمنح الشرق مثلهم؟ إن البيئة الشرقية الحاضرة لا تسمح بخروجهم، لا لطبيعة الشرق، ففي القديم أخرج الشرق من العظماء ما لم يخرجه الغرب، ولكن لأن الظروف الاجتماعية والسياسية في العصور الحاضرة لا تسمح بخروج هؤلاء النوابغ في الشرق، والمسئول عن ذلك الشرق بخموله والغرب بضغط قوته وسلطانه. وفي حدود قدرته على التملص من هذه القيود استطاع الشرق أن يرتقي بعض الرقي، وينهض بعض النهوض.

لقد بنيت المدنية الغربية - كما يقولون - على أركان أربعة مادية وأربعة معنوية: (1)

تمكين كل فرد من أن يعمل لترقية نفسه حسب ملكاته وقواه. (2)

استغلال الأراضي أحسن استغلال حسب خصوبتها. (3)

استخدام الأمة الطبيعة التي حولها لمصلحتها. (4)

تصريف سلعها ومنتجاتها في أوسع دائرة من الأسواق. (5)

العناية بتأسيس الأخلاق القومية لا الأخلاق الفردية وحدها. (6)

غرس المبادئ التي توحي بشدة المحافظة على الحقوق - والمطالبة بها إذا أهملت - وأداء الواجب. (7)

حب الحرية وعشق النظام. (8)

حب المغامرة والميل إلى الإقدام والرغبة في التجديد. وما عدا ذلك فأمور سطحية كالعادات والتقاليد في الأفراح والجنائز والزواج والطلاق والملابس ونحو ذلك.

ولست أرى ما يمنع الشرق من السير على هذه الأسس إذا أخلص قادته من جهة، وأفسح له الغرب طريقه من جهة أخرى.

ولو أحطنا الشرقي بكل بيئة الغربي السياسية والاجتماعية، وثقفناه بالعلم وربيناه على النهج الغربي لكان كالغربي في تفكيره وميوله وأخلاقه، والعكس، بدليل ما نرى من أن الفروق تتضاءل جدا بين المثقفين الشرقيين والمثقفين الغربيين في العقلية، وتتضاءل بين من عاشوا في إنجلترا أو فرنسا أو ألمانيا في الأخلاق. فكيف إذا اتحدوا في أشكال الحكومات والنظم السياسية وما إلى ذلك؟

قد يظهر بعض الفوارق في مزاج الشرق والغرب، فالشرق أميل إلى التأمل، والغرب أميل إلى العمل، والشرق أميل إلى النظر للماضي في تاريخه والمستقبل في جنته أو ناره، والغرب أميل إلى النظر لحاضره في دنياه، والشرق أميل إلى النظريات وإلى التجديد، والغرب أميل إلى التطبيقات وإلى الواقع، والشرق يميل إلى ما وراء المادة، والغرب يميل إلى التغلب على الطبيعة وضبطها بالعلم.

ولكن هل هذه الفروق وأمثالها توجب التعدد والانقسام، والنظر العالي إلى الأسفل، والنظر الأسفل إلى العالي؟ أو هي فروق كالفروق التي بين أفراد الأسرة يكون فيها المذكر والمؤنث وقوي العاطفة وجامدها والأديب والعالم، وهذه الفروق لم تمنع أن تتكون منها أسرة متوحدة متعاونة متحابة.

الحق أن ليست هناك حضارة غربية وحضارة شرقية، فما نسميه اليوم حضارة غربية بعض نتاج الصين في اكتشافها صناعة الورق والطباعة والبارود، وبعض نتاج الهند والعرب في العلوم الرياضية والفلسفة، كما أنه بعض نتاج فلسفة اليونان وعلمهم وفلسفة المحدثين وعلمهم أمثال: كانت وجاليليو ونيوتن؛ فالعلم والفلسفة والاختراع والمدنية مدينة للنوابغ من جميع أنحاء العالم من هند وصين وعرب ويونان وإنجليز وفرنسيين وألمانيين، فتسميتها بالحضارة الغربية تسمية بمن احتل أعلى طبقة في البناء الذي شيده العالم منذ نشأته واشترك في تشييده النوابغ من كل صقع ومن كل جنس. وتسمية البناء باسم سكان الطبقة العليا تسمية تعسفية أو اصطلاحية، أو هي كالبطاقة توضع على السلعة للتعريف بها.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٦٦٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٦٦٧