تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

في كل شيء يصطدم منطق العقل مع منطق الدنيا، في الأسرة، في الشارع، في المتجر، في المصنع، في الوظيفة، في الحياة الخاصة والعامة، فنرى العقل في ناحية والدنيا في ناحية، وكلما كان الإنسان أرهف حسا، وأكبر نفسا، وأرقى عقلا، كانت صدمة الدنيا أقوى وأعنف.

ومع هذا فأظن أن العالم سائر إلى التقدم في الاستزادة من منطق العقل، والتقليل من منطق الدنيا، ومقياس ذلك الأمم المنحطة والأمم الراقية، ففي الأمم المنحطة منطق العقل يسبح في دائرة قطرها «قيراط»، ومنطق الدنيا يسبح في دائرة قطرها ألف متر، وفي الأمم الراقية تكاد تتعادل الدائرتان أو تكون دائرة منطق العقل أوسع، وليس عمل المصلحين في الدنيا دائما إلا أن يحاولوا توسيع دائرة منطق العقل بتضييق دائرة منطق الدنيا.

| الشرق والغرب

الدنيا اليوم كلها بركان ثائر لسنا ندري متى يهدأ وكيف يهدأ: نظريات تتعارض، ومصالح تتشابك، ومبادئ تتخاصم، ولم يبق شيء من الأسس القديمة في السياسة والاجتماع والاقتصاد والأخلاق إلا تزلزل واضطرب، وثار ولما يهدأ.

ابتدأ البركان يثور في نقطة، ثم عم الغرب، ثم امتد من الغرب إلى الشرق، فهذا هو الشرق يتزلزل أيضا ويضطرب أيضا؛ لأن العالم كله أصبح الآن شبكة كهربائية تتفاعل في سرعة البرق.

من قديم وقف الشرق والغرب معسكرين، في الحروب وفى السياسة وفى الاقتصاد، وفى المدنية وفى أساليب الحياة والتفكير، وغلب الشرق حينا، وغلب حينا، وثار الجدل بين الأوروبيين: هل من المصلحة أن يمدن الشرق بمدنية الغرب أو يترك وشأنه، يستغله الغرب في موارد الاستغلال، ثم يخليه ونفسه فيما عدا ذلك؟ وثار الجدل بين الشرقيين أنفسهم: ما موقفهم من المدنية الحديثة؟ أيأخذونها بحذافيرها أم يتخيرون منها؟

ولكن قوانين الطبيعة الجازمة الحازمة لم تعبأ بهذا الجدل، وسارت سيرها الحثيث نحو توحيد العالم وتوحيد المدنية في جوهر الأمور، وإن اختلفت الأشكال والأعراض، ولم تكترث للحدود الجغرافية المصطنعة بين الشرق والغرب، فالعلوم والفنون والآداب والأوضاع السياسية ونظم الحياة الخاصة والعامة تسربت من الغرب إلى الشرق، كما تسربت قبل ذلك من الشرق إلى الغرب؛ لأن القانون الطبيعي أن البقاء للأصلح والغلبة للأرقى والأقوى، والتفاعل الدائم بين المتجاورين.

والزمن يعمل عمله في هذا التوحيد بين الشرق والغرب بالرحلات والبعثات والتزاوج والصحافة والثقافة والإذاعة والتجارة في المخترعات الحديثة، ورجال السياسة وأساليبهم وغير ذلك، كلها تنقل الماديات والمعنويات من أقصى الأرض إلى أقصاها فتقرب الفكر والمدنية ونمط الحياة.

قد يعوق هذا الامتزاج واتحاد المدنية عصبية من هنا وهناك، كعصبية دينية أو عصبية للجنس أو الدين أو القارة أو اللون ونحو ذلك، وكلها قد تؤخر السير ولكن لا تغير اتجاهه، فقد يقف الزمن أمام هذه العوائق ولكنه لا يلبث حتى يقوى ويكتسحها، ويكمل سيره إلى غرضه غير عابئ بما يبدو من بعض القادة السياسيين من وضع العقبات، فكل هذه تنهار أمام القانون الطبيعي في أن سكان الأرض وحدة تتفاعل، ويأخذ متخلفها في نفس الطريق الذي سار فيه متقدمها.

قبل ثلاثة قرون ونصف لم تكن هناك هذه الفروق بين الشرق والغرب، فإن كان ولا بد فالشرق كان يسبق الغرب في مدنيته وحضارته ووسائل حياته. ثم حدث في أوائل القرن السابع عشر أن اكتشف الغرب وسائل للعلم التجريبي جديدة بنى عليها ثروته الصناعية والاقتصادية، ومن هنا بدأت نقطة التحول والتفوق. ومن نحو قرنين تضاعفت قوة الغرب باكتشافه بعض قوانين الطبيعة ومعرفته كيف يتغلب عليها، وافتتح عصرا جديدا عماده البخار والكهرباء. والشرق في هذه القرون الثلاثة كان يعتمد على وسائله القديمة الخالية من البخار والكهرباء فتخلف، وكان هذا هو الفرق الكبير الذي نراه الآن. وليس هذا فرقا طبيعيا في عقلية الأمم؛ فالتاريخ علمنا أن التفوق والنبوغ يتحولان وينتقلان بين الشعوب لأسباب نفهم بعضها، ونعجز عن فهم بعضها، كنبوغ الأفراد يظهر من حيث لا نعلم، فقد ينبغ من بيت حقير ومن بيت عظيم ومن أسرة وضيعة، ومن أسرة نبيلة ومن قرية ومن مدينة، ومن أكثر الناس علما ومن أقلهم علما. وهكذا نبوغ الأمم. حملت رايته الصين حينا، والهند حينا واليونان حينا وبغداد حينا والقاهرة حينا، وجاء دور الغرب فحملها، وهو دور كسائر الأدوار؛ فلا معنى للتبجح بدعوى التفوق الطبيعي والاستمرار الزمني والمكاني. فما على الشرق إلا أن يأخذ بالوسائل التي اعتمد عليها الغرب من العلم التجريبي واستخدام البخار والكهرباء، حتى تتغير مدنيته وحياته وأخلاقه ويتبوأ مكانه.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٦٦٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٦٦٦