تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإننا نفسد تعليم الناشئ إذا نحن علمناه الإملاء على طريقتنا ثم وضعنا في يده المصحف فرأى طريقة لم يألفها. وقال قوم: لا بد من المحافظة على رسم عثمان حفظا لآثار السلف الصالح وعملا بالمأثور، وربطا بين قديمنا وحديثنا. فقمت وفي نفسي التفكير بين منطق العقل ومنطق الدنيا.

وشاء القدر أن أحضر مجلسا آخر حميت فيه المناظرة حول معلمي اللغة العربية. فقال قائلون: أمن الحق أن يتوزع تعليم اللغة العربية - دون سائر المواد - ثلاثة معاهد: كلية اللغة العربية الأزهر، ودار العلوم في وزارة المعارف، وقسم اللغة العربية في كلية الآداب، وكل يسلك منهجا يخالف الآخر حتى إذا أتموا دراساتهم كانت بينهم حرب شعواء على الوظائف! أليس من الخير ألا يكون في البلد إلا معهد واحد يختار له خير المناهج وخير الأساليب كما الشأن في كل المواد؟ وقالوا أيضا: إننا نفهم أن يكون في البلد مائة معهد للثقافة، أما للصناعة، ولصناعة التعليم، فلا بد ألا يزيد إنتاج المصنع عن حاجة البلد. وقال آخرون: إنها التقاليد، وإنها السلطات، وإنها العصبيات.

فخرجت من المجلس مفكرا في منطق العقل ومنطق الدنيا.

وركبت «المترو» وجلست بين جماعة ينقدون بألسنة حداد حالة الوظائف والموظفين، وكل يشكو ويضرب الأمثلة في وزارته عما حدث من ترقيات؛ هذا للقرابة، وهذا للمصاهرة، وهذا للملق، وهذا للهتاف، وهذا لتقبيل اليد، وهذا للمصالح الشخصية.

فقلت: إن هذا يوم غريب تتتابع كل حوادثه للتمثيل لمنطق العقل ومنطق الدنيا.

ورجعت بذاكرتي إلى أقاصيص جحا، وما في كتب الأدب من أقوال عقلاء المجانين، فوجدت كثيرا منها يعجب الناس لأنها تصور الفرق بين منطق العقل ومنطق الدنيا.

والناس يضجون بالشكوى لأنهم لم يفهموا الفرق بين منطق العقل ومنطق الدنيا، وأرادوا أن يخضعوا الدنيا لمنطق العقل ففشلوا.

والشعراء والأدباء رأوا أنهم لكفايتهم أحق بخيرات الدنيا من كل من عداهم من الحمقى والمغفلين، وهذا منطق العقل. ثم رأوا أن الدنيا في يد أقل الناس كفاية، وأنهم محرومون حتى من ضرورات الحياة، على حين أن المغفلين يغرقون في النعيم، وهذا منطق الدنيا. ولطول ألسنتهم أقاموا حربا شعواء على الناس، وقالوا آلاف الأبيات في شكوى الزمان، وأنه مغفل يحابي المغفلين، ويضطهد العقلاء والأدباء، وأنه لا عقل له ولا منطق له، وجردوا منه شخصا وجهوا إليه أفظع السب وأقذع الهجاء، وما دروا أن للدنيا منطقا تخضع له غير منطقهم، وأسلوبا تتبعه غير أسلوبهم.

وأكثر ما يظهر منطق الدنيا في السياسة؛ فقد أراد الفلاسفة في عهد أفلاطون وأرسطو أن يخضعوا منطق السياسة لمنطق العقل، فوضع أفلاطون جمهوريته، وأرسطو كتابه في السياسة، والفارابي مدينته الفاضلة، وهكذا تتابع الفلاسفة يرسمون المثل الأعلى للحكومة وللسياسة، يريدون أن يخضعوا كل شيء في الدولة لمنطق العقل، والسياسة دائما تتمرد عليهم وتأبى إلا أن تخضع لمنطق الدنيا، وكان هذا هو الشأن إلى أيام ولسن، فقد وضع نظام العالم على أساس منطق العقل، وما زال منطق الدنيا يحاربه بأسلحته حتى هزمه شر هزيمة.

وربما كان «ميكافلى» هو الشخص الذي فهم منطق الدنيا بعد أن جرب الحياة الواقعية وسفر لأمته عند الملوك والأمراء، فنادى بأن السياسة لا تتبع العقل والعدل والخلق، وإنما هي ترعى طبائع الناس وظروف الزمان والمكان، وقال: إن السياسة يجب أن تعرف الخير والشر، ولا بأس من أن تنحرف عن الخير تبعا لضرورة الظروف القائمة - وقرر بعض مبادئ منطق الدنيا، فقال: «إن الناس أسرع إلى الإساءة إلى من وضع نفسه من قلوبهم موضع الحب، منهم إلى من جعل نفسه مخوفا مهيبا»، وقال: «إن الأمير يجب أن يكون أسدا، ولكن ينبغي له أن يتعلم كيف يلعب دور الثعلب». وهكذا أراد أن يشرح منطق الدنيا كما شرح أفلاطون وأرسطو منطق العقل، ولكن - مع الأسف - لم يستطع أن يدون كل منطق الدنيا كما دون من قبله كل منطق العقل. إن الذي وضعه جزء بسيط من منطق السياسة، وما السياسة بجانب الدنيا كلها؟ ولو كنت مكانه لوضعت قواعد منطق الدنيا في سلوك الإنسان وفى كيف يقدر الإنسان الإنسان، وكيف يصل الإنسان إلى أغراضه مع امتهانه لمنطق العقل، وكيف يفعل رجال الحكم تمشيا مع منطق الدنيا، وكيف تقف التقاليد والأوضاع أمام منطق العقل لتفسح الطريق أمام منطق الدنيا وهكذا، ولجعلته مائة فصل، وجعلت ما كتبه ميكافلي عن السياسة فصلا واحدا من فصوله.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٦٦٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٦٦٥