وسواء هذا النوع أو ذاك، فكلاهما يرفع مستوى الشعوب، ويرقي شعورها بالجمال، ويكون لذلك أثره الكبير في رقي الخلق ورقي الحياة الاجتماعية. بل إذا ذاك يدركون أن الكذب والظلم والجبن قبيحة قبح المناظر المؤذية، والصدق والعدل والشجاعة جميلة جمال الأزهار والبحار والأنهار والنجوم، فيتعاون الشعور بالجمال والقبح مع إدراك المنفعة والمضرة، وفي هذا ما يرفع الأمة درجات.
كم في الشعوب العربية من يزور مغاني الجمال فيستمتع بها، ومن يخرج إلى البساتين في الربيع فيهتز قلبه لها، ومن يرتب في بيته الزهار كما يرتب الخباز واللبان، ومن يهمه جمال بيته كما يهمه هم بطنه؟ إن جمال الشرق وفير متنوع، ولكنه لا يجد العين التي تنظره، والروح التي تتفتح له. ولا يفتح العين ويفتح القلب إلا أدباء ملهمون يقفون الناس على سر الجمال، ويهزون نفوسهم لتذوقه.
3
يعاني الأدب العربي الآن مشكلة من أكبر المشاكل، وهو أنه أدب الخاصة لا العامة، وليس للعامة أدب. ونحن إذا أردنا أن ننهض بالشعوب العربية وجب أن يصل صوت أدبها إلى خاصتها وعامتها معا؛ فالعامة هم السواد الأعظم في الشعوب، وهم المقياس الحقيقي لرقي الأمة وانحطاطها. فالفلاح في القرى المصرية الذي يكون نحو ثمانين في المائة من مجموع الشعب هو الذي يمثل مصر، لا الشاب الذي أخذ درجة من جامعة مصرية ثم أتم دروسه في أوروبا أو أمريكا، وكوخ الفلاح هو الذي يمثل البيت المصري لا القصر الجميل على ضفاف النيل، وشوارع القرية هي التي تمثل شوارع مصر لا شارع الهرم، وهكذا. فإذا أردنا النهوض الحقيقي للأمم العربية، فليكن جل اهتمامنا بالسواد الأعظم من العامة لا بالطبقات الخاصة وحدها. إذا أردت تحسين العقلية المصرية أو الشامية أو العراقية فوجه أكبر همك إلى تحسين عقلية الفلاح والعامل، ولا تقتصر على العدد المحدود من طلبة المدارس، وهكذا في الشئون المالية والاجتماعية. وإذا أردت وضع «ميزانية» عادلة للشعب فاحسب حساب ما ينال العامة منها وما ينال الخاصة، فإن كان ينال الخاصة أكبر قسط فيها أو نصفها، فهي ميزانية أرستقراطية جائرة، وهكذا.
إن من حق العامة أن يستمتعوا بالأدب كما يستمتع الخاصة، وأن يكون لهم أدب يناسبهم كما للخاصة أدب يناسبهم، وأن يكون في أدبهم ما يغذي عقولهم، ويرفع مستواهم، كما يكون فيه ما يتذوقون معه الفن الجميل - هذا من حقهم على الدولة كحقهم في الماء النظيف يشربونه، والصحة يعنى بها، وضرورات الحياة توفر لهم، لم يكن للعامة أدب، فهم والحيوان سواء. والأمة تجني من هذا الجهل وعدم تذوق الأدب الصاب والعلقم من كثرة الجرائم وانتشار التخريف، وعدم الشعور بالظلم، واستغلال أرباب رءوس الأموال لهم، وهكذا.
والأمم العربية في أسوأ موقف من هذه الناحية. فالكتب، والمجلات، والصحف - وهي الأدب بالمعنى الواسع - ليست إلا للخاصة، ولا شيء منها للعامة، ومعنى ذلك أن الخاصة هم الذين يتغذون عقليا ونفسيا، والسواد الأعظم حرم ضرورات العيش، وحرم أيضا ضرورة العقل والعاطفة وهو الغذاء الأدبي، فأصيب «بالأنيميا» الجسمية والعقلية والعاطفية معا.
وكم الخاصة وكم العامة؟
إن الكتاب في العالم العربي يطبع منه الألف والألفان، وقلما طبع منه عشرة آلاف، والمجلات والجرائد مهما راجت لا تطبع إلا خمسين ألفا أو ستين ألفا، مهما كان أدبها ولغتها متواضعين، ومعنى ذلك أن القراء الذين يتغذون بالكتب والمجلات والصحف لا يتجاوزون مائتي ألف، إذا حسبنا أن الكتاب أو المجلة يقرؤها أكثر من واحد، بل ضاعف هذا العدد إن شئت مرة واثنتين وثلاثا، وانظر نسبته إلى نحو سبعين مليونا يتكلمون العربية في الأقطار الشرقية، فمعنى هذا أن تسعة وستين مليونا فأكثر من الشعوب العربية لا يتغذون غذاء عقليا بالكتب والمجلات، ولا يصل إليهم شيء من الأدب في قليل ولا كثير.