ومن أجل هذا أتوقع متى نما هذا النوع الرفيع من الأدب أن تتبدل هذه النغمة الصارخة في أدبنا، وهي نغمة تملق الجماهير، وتملق الشباب، وتملق الشهوات الجنسية، فنسمع أصواتا تنقد النقد الحر الجريء، ولو أدى بصاحبه إلى البغض والكراهية والاضطهاد. إن الناس ألفوا أن يروا صورة ضيق نظرهم، وسعة شهواتهم، وقداسة تقاليدهم، معكوسة على النتاج الأدبي، فإذا لم يجدوها عند الكاتب كرهته العامة ولم يقدره إلا الخاصة، وقليل ما هم. كم في حياة الأمم العربية من عيوب لا تصلحها حلاوة السكر، ولا مرارة الصبر، ولا يصلحها الملق، ولكن تصلحها الصرخة القاسية؛ وهذا لا يكون حتى يكون الأديب مؤمنا بعقيدته، مؤمنا بغرضه، يفضل الفقر مع المبدأ على الغنى مع الملق، وهو ما أرجو أن يكون. •••
ثم أتوقع أن يستمر الأدب العربي في نموه من الناحية التحليلية، تحليل الأشخاص وتحليل الظواهر الاجتماعية وتحليل العواطف الإنسانية، وهكذا؛ ذلك لأن الأدب العربي كان إلى عهد قريب تغلب فيه النزعة التركيبية من أمثال الأمثال، والحكم، والتوقيعات، والرسائل الموجزة، مما تصح كل جملة منها لو حللت أن تكون كتابا؛ فلما اتصل الأدب العربي بالأدب الغربي تأثر من هذه الناحية، فدخلت فيه النزعة التحليلية إلى حد ما، وكل المظاهر تدل على أنها ستنمو فيكمل فيه النوعان: النوع التركيبي والنوع التحليلي، كما سينضج فيه النوعان: النوع الفردي والنوع الاجتماعي.
فأغنى الأدب في نظري ما كملت فيه النزعتان الفردية والاجتماعية، واستوت له الناحيتان التحليلية والتركيبية. والأدب العربي غزير فياض في الناحية التركيبية والفردية، متخلف في ناحيته التحليلية والاجتماعية، وهذا صدى لنوع البيئة الاجتماعية التي كان يحياها العرب، فإذا تغيرت - وهو ما نحن مشرفون عليه - تلون الأدب بلونها، وغنى الغناء الذي يتفق ومشاعرها. •••
وناحية أخرى سيتجه إليها الأدب العربي لا محالة، وهي «أدب الطبيعة»، فكم في بقاع الأمم العربية من بحار وأنهار، وأزهار، وجبال، ووديان، وحقول، ونحو ذلك من مناظر فاتنة تنتظر من يتغنى بها! وذلك يكون حيث ينمو الشعور بالجمال في هذه الأمم، وقد عاقها في الماضي والحاضر عن هذا بؤسها وفقرها، ووقوعها تحت نير الظلم والاستبداد؛ ومن عدم القوت نظر إلى الرغيف ولم ينظر إلى باقة الزهر، ومن قيد القيد الثقيل طمح إلى فك أغلاله قبل أن ينظر إلى العالم وجماله. فما تقدم عليه الأمم العربية من نعيم بخيراتها، واسترداد لحرياتها، ونظر صادق لمعالجة شئونها، سيرفع مستواها، سواء في ذلك حالتها الاقتصادية أو الاجتماعية أو السياسية، ونتيجة هذا أن يجعلها تفكر في المعاني، وتسمو إلى الاستمتاع بالجمال، فيدرك الأدباء بإلهامهم - الذي يسبق الزمن بعض خطوات - أن الأمة تتطلع إلى أناشيد الجمال، وتطمح إلى من ينشد قصائد التغني بجمال الطبيعة في شتى نواحيها، فيغنون والناس تتغنى بأغانيهم، وتردد أناشيدهم لأنها تجاوب مشاعرهم.
نعم، إن في الأدب العربي كثيرا من شعر الطبيعة من عهد امرئ القيس إلى اليوم، ولكني أتطلع إلى نوع جديد في أدب الطبيعة. إن شعر الطبيعة في الأدب العربي أفسد كثيرا منه الفن الصناعي، وفهم الشعراء أنهم كلما أجادوا التشبيه والاستعارة أجادوا شعر الطبيعة، من مثل قول الشاعر:
ولاح هلال مثل نون أجادها
بجاري النضار الكاتب ابن هلال
وقول الآخر:
ورد بدا يحكي الخدود، ونرجس
يحكي العيون إذا رأت أحبابها
ونبات باقلاء يشبه نوره
بلق الحمام مشيلة أذنابها
وقوله:
وكأنما البرك الملاء تحفها
ألوان ذاك الروض والزهر
بسط من الديباج بيض فروزت
أطرافها بفراوز خضر
وكثير من أمثال هذا، فهذا ما لا أريده ولا أتمناه، ولا أعده إلا نوعا من البهلوانات التي تأخذ العين ولا شيء وراءها. إنما أريد بأدب الطبيعة أحد أدبين: أدب يفنى فيه الأديب في الطبيعة كما يفنى الصوفي فيها، ويذوب كما يذوب السكر في الماء، فيتناغم هو والطبيعة، وتنسجم نبضات قلبه بنبضاتها، ويشعر أنه هو وهي شيء واحد، وينتشي من ذلك نشوة دونها نشوة الخمر والوصال، فإذا انتشى غنى بجمالها فمس روحك وأعداك بنشوته، وشعرت بأنه يجذبك إلى الجمال، حتى تحس ما يحس، وأنه أثر فيك بروحه وفنائه أكثر مما أثر بلفظه وتشبيهاته ومجازه، وهذا النوع من الأدباء يتطلب فناؤهم وذوبانهم الميل - أكثر ما يكون - إلى الجمال الواسع - إن صح هذا التعبير - كجمال البحار والصحراء والسماء والحقول الفسيحة ونحو ذلك؛ لأنها أقدر بسعتها على امتصاص نفوسهم الواسعة، أو أديب يتشرب الطبيعة لا تتشربه الطبيعة، فهو يحتفظ بشخصيته، ولكن يحققها ويوسعها بالطبيعة يتنسم جمالها، وهؤلاء أميل إلى الجمال المحدود كجمال الزهرة وجمال الصورة وجمال جدول الماء، وهم لاحتفاظهم بشخصيتهم يفضلون ما يذوب فيها على ما يذوبون هم فيه، بل قد يشعرون بالضيق للجمال الواسع؛ لأن شخصيتهم تتضاءل أمامه، وتصغر بجانبه، وقد يرون فيه الجلال لا الجمال؛ وعلى كل حال فإذا تذوقوا هذا الجمال المحدود ومزجوه بأنفسهم، ووسعوا به مشاعرهم، أخرجوه بروحهم وفنهم أدبا جميلا حيا يحيي من سمعه.