وهذه النتيجة مرعبة مفزعة، وهي المقياس الحقيقي للشعوب، وليس هناك أمة حية على وجه الأرض الآن تشقى نصف هذا الشقاء ولا ربعه؛ فالروايات والكتب الأدبية المناسبة تصل إلى آذان الفلاح في حقله، والصانع في مصنعه.
وسبب هذه المصيبة العظمى في الأمم العربية شيئان هامان: الأول: الأمية الفاشية، فلا تزال نسبتها في الأمم العربية كبيرة جدا بالنسبة للمتعلمين.
وحركة انتشار التعليم والتغلب على الأمية - مع ما بذل فيهما من جهد - ضعيفة بطيئة. وليس ينجينا من الأمية السير المعتدل الرزين، وإنما الثورة العنيفة على الجهل وعلى الأمية، وحشد كل القوى المتعلمة في الأمة مع إمدادها بكل ما نستطيع من مال لهذه الحرب الشعواء، أما السير الحكيم فلا يمحو الأمية إلا بعد مئات السنين، والعالم لا ينتظرنا لينعم بمنظر سيرنا الوقور.
والسبب الثاني: أن لكل أمة عربية لغتين: لغة للكتابة والقراءة والتأليف في العلوم والآداب، ولغة للكلام في الشارع والمنزل والتعامل، وأن الفرق بين اللغتين كبير، وهذا عائق قوي عن تقدم الشعوب العربية وثقافتها - نعم إن كثيرا من الأمم كإنجلترا وفرنسا وأمريكا لها جمل وتعبيرات وكلمات عامية وأخرى فصيحة، ولكن الفرق بينهما ليس كالفرق بين لغتنا العامية ولغتنا الفصحى، فلو أنك قرأت كتابا أو رواية بالإنجليزية على فلاح أو صانع وكان موضوع الكتاب يتناسب وعقليته، أمكنه أن يفهمه في سهولة، ويشعر أن ليس هناك فرق كبير بين ما يتكلم وما يقرأ ويسمع، وهكذا الشأن في الفرنسي والأمريكي وليس كذلك عند العربي.
وقد أنتج هذا الفرق الكبير بين العامية والعربية الفصحى نتائج سيئة جدا، منها صعوبة نشر التعليم في أوساط كثيرة واسعة، ولا يكون هذا إلا إذا تقاربت اللغتان، ومنها حرمان العامة من تذوق النتاج الأدبي العربي، ومنها أن ما يكتب باللغة العربية الفصحى نفسه في الموضوعات التي تمس الحياة الواقعية ليس فيه الحياة التامة؛ لأن استعمال الكلمات والجمل في الشارع والمنزل يضفي على اللغة نوعا من الحياة لا تستفيده إذا عاشت بمعزل عن الاستعمال اليومي، فلكل كلمة وكل جملة تستعمل على الألسنة هالة غير المعاني المكتوبة في المعاجم، فإذا قصرت على التفاهم بين الخاصة لم يكن لها هذه الهالة.
وأهم فرق بين اللغة العامية واللغة الفصحى، وأهم صعوبة في انتشار اللغة الفصحى - في نظري - الإعراب. لقد فشلنا في تعليمه حتى للخاصة والمثقفين، فهذا متخرج الجامعة قد صرف تسع سنوات على الأقل في المدارس الابتدائية والثانوية يتعلم النحو، ثم عددا من السنين في الجامعة، ومع ذلك قل جدا من يستطيع أن يكتب صفحة خالية من الخطأ النحوي - ومثلهم المثقفون ثقافة عامة ومن قرأوا لأنفسهم كثيرا وكتبوا كثيرا، فكيف نطمع أن نصل إلى نتيجة باهرة إذا أردنا نشر تعليم اللغة العربية في أوساط العامة، وكيف نلزمهم أن ينصبوا الجمع المؤنث السالم بالكسر، ويجروا الممنوع من الصرف بالفتح ونحو ذلك؟ إذا كلفناهم ذلك فقد كلفناهم شططا، وكانت النتيجة لا محالة الفشل في تعميم التعليم. إن ذلك قد صعب على الخاصة فكيف بالعامة!!
هذا أهم عائق يحول دون تعميم التعليم، ودون فهم العامة للأدب العربي. فما الحل؟ إني أرى رأيا أعرضه على أولي الرأي للتفكير فيه وتقليبه على وجوهه المختلفة، وهو اصطناع لغة عربية خالية من الإعراب، وخالية من الألفاظ الضخمة، ومستعملة للكلمات العامية التي هي أيضا عربية ومجردة من خرفشة اللغة العامية. فنقول: «لا أحب» بدل «ما أحبش»، و«سأعمل» بدل «حاعمل» وأسكن آخر الكلمات كلها من غير إعراب، فأقول: «محمد شارك علي في التجارة»، ونحو ذلك.
وهذه اللغة التي هي وسط بين العامية والفصحى هي التي يجب أن نعتمد عليها في نشر التعليم بين العامة، ويكتب بها بعض الأدباء رواياتهم، ويؤلف بها بعض المؤلفين الكتب الشعبية، ويتحدث بها المتحدثون في الراديو، والخطباء في خطبهم الشعبية، وهكذا.