تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والأمم العربية الآن في حالة تكون جديد، بسبب ما ظهر لعيونهم من عهد ماض مملوء بالظلم والاستبداد والاستغلال، والجهل والفقر، وبسبب ما رأوا من أمم معاصرة تحيا خيرا من حياتهم، وتنعم حيث يشقون، وتعلم حيث يجهلون، بل رأوا غيرهم ينعم بخيراتهم ويستغل غفلتهم وجهلهم، ويستخدم عمله ويقظته في امتصاص ثروتهم، فلما بدأوا يشعرون بذلك كله بدأوا يطمحون إلى حياة أسعد من حياتهم، وينفضون عنهم غبار جهلهم وخمولهم، ويعدون العدة للسير على منهج من سبقهم؛ وهذا - بالضبط - هو الزمن الذي يتمخض فيه - عادة - عن مصلحين تتبلور فيهم آمال الأمة، وأدباء يحدون لهم ليجدوا في سيرهم، ومغنين يغنون لهم بآمالهم، وفنانين يرسمون لهم مطامح نفوسهم.

ومن أجل هذا أتوقع أن تتمخض الحركة الأدبية العربية والحركات الفنية عن حملة اللواء لهذه الشعوب، فالرواية والشعر والقصص والمقالة والتمثيل والغناء والنحت والتصوير والرسم كلها تثير مشاعر الشعوب الغامضة، وتثير العواطف الهائمة ضد الظلم وضد الفقر وضد البؤس، وهذا لونها الحزين، ثم من وجه آخر تبعث الأمل وتدفع للعمل، وتبشر بالفوز، وتؤمل في الإصلاح، وهذا لونها البهيج.

لست أتوقع - ولا من الخير أن أتوقع - أن يقضى على أدبنا الحالي الذي يخدم المشاعر الفردية من غرام وشهوات جنسية، وتحدث عن النفس ونحو ذلك، فالأمم التي سبقتنا لم يخمد فيها هذا الأدب، بل هو لا بد منه في كل زمان ومكان، ولكن وجد بجانبه الأدب الاجتماعي الذي يخدم المصالح العامة، فكان من هذا وذاك جوقة كاملة منسجمة تجاوب نوازع النفوس المختلفة.

إن في كل أدب وفن الوضيع والسامي، وأسمى الأدب ما يصلح حياة الناس ويغنيها، وخير كتاب أدبي ما إذا قرأته تلذذت من فنه، ثم بعثك بفنه ومعانيه على أن تكون خيرا مما أنت، بإثارة عاطفة الرحمة أو الشفقة عندك، أو عاطفة الجمال في الذات والمعنى والطبيعة، أو بإفهامك طبائع الناس كما هي، أو إعجابك بالخير وكرهك للشر، أو إضاءة أي جانب من جوانب الحياة، أو أي قانون من قوانين الإنسانية، أو تهييج ضميرك ليحق الحق ويبطل الباطل، أو باستصراخك لنصرة العدل ومحاربة الظلم، أو نحو ذلك فإن هو أثار عندك وعكس هذه المعاني، فهو الأدب الوضيع من وجهة النظر الاجتماعي مهما جاد فنه.

والأدباء من هذا القبيل يحركهم نبل الغرض أكثر مما تحركهم المادة، وينتجون إجابة لداعي النفس أكثر مما ينتجون للتجارة، ويشعرون بأنهم يتنفسون بفنهم فإذا سكتوا اختنقوا.

لقد ثار الجدل عند الأدباء الغربيين حول الكتابة للمبدأ والكتابة للعيش، فكان يرى بعضهم أن الأدب الذي يستحق أن يسمى أدبا حقا ما غمر الكاتب شعورا باللذة لكتابته، لا ما كان سدا لحاجة، أو ملأ لخانة، ولا ما حمل الكاتب على كتابته حملا؛ لأن الأدب الحق وحي، والوحي لا يمكن القبض عليه وتحويله حيثما أراد الموحى إليه، ليس هو كرة تدار، ولكن صوتا عميقا من النفوس يسمع فيطاع.

ولكن ربما عد هذا غلوا في الرأي، فكثير من الآثار الأدبية القيمة ألفت تحت ضغط الحاجة إلى المال، وبعض الأدباء ما كانوا ينتجون ما أنتجوا لولا بؤسهم المالي.

ومع هذا فمما لا شك فيه أن نوع الأدب الذي وصفناه بالسمو والرفعة لا يصدر إلا عن شعور نبيل الغرض، ودافع من حب خير الإنسانية؛ لأن النوع الأول - وهو ما يكتب تحت الضغط المالي - خاضع لتحكم تجار الكتب وأصحاب المجلات في نظرهم إلى ما يروج وما لا يروج، وخاضع لمسايرة الجمهور في ذوقهم وتملقهم، والضرب على الأوتار التي يحبونها وتقديم الغذاء الذي يشتهونه، ولو كان فيه السم الزعاف.

أما الكاتب الملهم، الكاتب الذي يتنفس بأدبه، الكاتب الذي يكتب تحقيقا لغرض نبيل عنده، فينتج ما ينتج رضي ناشر الكتاب أو لم يرض، أعجب الجمهور أو لم يعجب، بل كثيرا ما يدفعه نبل غرضه أن يصب غضبه على الجمهور لغفلته وغباوته، ولو أدى ذلك إلى رميه بالحجارة، واتهامه بالخيانة؛ لأنه يريد أن يسير الجمهور لا أن يسيره الجمهور، ويريد أن يجرعه الدواء ولو مرا لا الحلو ولو سما، ويريد أن يكون قائدا للعامة لا مقودا بشهوات العامة.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٦٥٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٦٥٩