وفي طبيعة كل إنسان وعي لذاته وشخصه، ووعي لمجتمعه، ولكن في الأمم البدائية ينمو الأول ويضعف الثاني، لأسباب كثيرة: في الأمم البدائية تصدر حتى الأعمال الخيرية ملاحظا فيها الفرد نفسه؛ فالإحسان لدفع ألمه، أو لشهرته أو لذكر اسمه في الجرائد، أو لتكفير سيئاته، وفي الأمم الراقية الإحسان لإنهاض الفقير، وتخفيف الويل عن المجتمع، وفي الأمم الحية يشعر الماشي في الشارع أن الشارع له وللناس، والسينما له وللناس، وخيرات البلد له وللناس، والأعباء لا بد أن يحمل منها ما يستطيع كما يحمل الناس، ويلون بذلك تصرفاته وأعماله.
لست أريد الدخول في التفضيل بين الوعي الفردي والوعي الاجتماعي، وإنما يكفيني هذا القدر لبيان أن الأدب ظل لحياة الأمة في هذا الباب، فإذا طغى الوعي الفردي في أمة كان الأدباء من هذا القبيل هم صدى للنزعات الفردية والوعي الفردي فقط إلا القليل النادر، فنتاجهم الأدبي غزل وحب وغرام وروايات لتحليل أنفسهم أو لتحليل بعض الشخصيات، أو قطع فنية لإثارة الشهوة الجنسية، وحتى باب الأدب نفسه يرجع في الأغلب إلى نصح الإنسان بصلاحيته كفرد لا كعضو في مجتمع. وهذا مع الأسف هو الأدب العربي في عصور طويلة إلى الآن تقريبا.
بل أبو العلاء المعري نفسه، وهو أكبر شاعر عربي نظر في شعره إلى المجتمع وأبان سيئاته، قد أفلح في مقدماته ولكنه لم يوفق إلى النتيجة كما نرجو الآن. فقد نجح في وصف سيئات المجتمع من ظلم الحكام، وفساد المرأة، وفساد رجال الدين ونحو ذلك، ولكنه شرح ذلك ليخلص منه إلى أن المجتمع لا يصلح للبقاء ولا يصلح لمثل أبي العلاء لأن ينغمس فيه. يقول أبو العلاء:
يسوسون الأمور بغير عقل
فينفذ أمرهم ويقال: ساسه
فأف من الحياة وأف مني
ومن زمن رياسته خساسه
فالمقدمة بديعة لطيفة وإن كانت في حاجة إلى البسط، والنتيجة ليست هي التي نريد، فهي نتيجة يائسة. وإنما الذي نريده أن يشرح هذه العيوب للدعوة إلى إصلاحها، وإثارة النفوس للتخلص منها وإحلال المثل الطيبة محلها. نريد من الأديب إذا ألف مأساة «تراجيديا» ألا يقصد إلى شرحها وتحليلها فقط، ولكنه يبين مسئولية المجتمع فيها ويحمل النفوس على الثورة للخلاص منها، وإذا ألف ملهاة «كوميديا» ألا يقصد إلى استخراج الضحك فقط من الممثل؛ ولكن ليستثير السخرية على من كانوا السبب فيها حتى لا تعود إلى الحياة، وهكذا. وهناك أدباء من هذا القبيل تقرؤهم فتشعر أن عقلك اتسع، وعواطفك سمت، ومشاعرك بالإعجاب من الحسن أو الكراهية للقبح حميت وتحمست، وهذا ما نحن في حاجة إليه.
إن الأمم الشرقية في بدء عهدها بالوعي الاجتماعي؛ فيجب أن يكون لها أدباء يدفعون هذا الوعي إلى الأمام حتى يكمل وينضج، وهذا ما أتوقعه في الأدب العربي القريب. إن الأديب من هذا الطراز رسول أمته وهاديها إلى الخير، وراسم أغراضها في الحياة، يدرك الحقائق قبل أن يدركها الناس، ويشعر بها قبل أن يشعر بها الناس، ثم يحرك عقولهم لإدراكها، وعواطفهم للتحمس للعمل بها، يشعر من أعماق نفسه أن له رسالة أن يرفع مستوى الناس ويدفعهم إلى حياة أسعد وعيش أصلح، يجمع بين السمو الخلقي، والسمو الفني، ثم يسخر فنه لخدمة ما يصبو إليه لقومه.
إذا تحقق هذا في مستقبل الأدب العربي اعتدل مزاجه وكمل نقصه، وجاوب ما في الطبيعة البشرية من حب الذات وحب النوع معا.
2
هناك تفاعل تام بين الحالة الاجتماعية لكل أمة وأدبها، فالأدباء في كل زمان ومكان يؤثرون في مجتمعهم ويتأثرون به، وميزتهم على غيرهم أن لديهم نوعا من الإلهام يدركون به شعور الناس وهو في طور تكونه، وفي حالة غموضه، فيعبرون عنه تعبيرا يكشفه ويجليه فيتقبله الناس على أنه جديد وليس جديدا، وإنما كان كامنا في نفوسهم، ولولا ذلك ما استجابوا له؛ ولذلك كان الأديب أو المصلح إذا سبق زمانه بمراحل لم يسمع لقوله، ويدخر الزمان تعاليمه حتى يستعد لها الناس.