تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهذا النوع من الأدب - ما دام الغرض منه الإصلاح الاجتماعي، وقيادة الرأي العام وتنبيهه - يجب أن يكون أسلوبه سهلا واضحا جميلا جهد الطاقة؛ لأنه لا يؤدي رسالته حتى يصل إلى آذان أكبر عدد ممكن في الهيئة الاجتماعية، فإذا تأنقنا في أسلوبه وملأناه بالمحسنات الفنية، وعلونا في التعبير، انقلب الغرض من إصلاح شعوب والأمم إلى إصلاح عدد قليل من الطبقات الممتازة فقط. على أن القطعة الفنية في الأدب متى كان لها موضوع، وكان لها قضية تكشفها وتؤيدها وتدعو إليها استغنت عن كثير من التجميل الأدبي، والغلو في الاستعارات والكنايات والمجازات، فإن هذه أشد ما يحتاج إليها عند خلو الكلام من موضوع قيم، أو أفكار قويمة سليمة.

ولست أريد أن أقول: إن كل أدب عربي سيتجه في المستقبل هذا الاتجاه، أو أنه ينبغي أن يتجهه فقط. فلست أنكر قيمة أنواع الأدب الأخرى من شعر غنائي أو قصص تحليلي أو فن للفن أو نحو ذلك، وإنما أريد أن أقول: إن الأدب الاجتماعي يجب أن يكمل في الأدب العربي بقوة وغزارة؛ لأن موقف الأمم العربية في الحاضر والمستقبل أشد حاجة إليه من أنواع الآداب الأخرى.

أطمح أن يكون لنا في الأدب العربي أمثال برنارد شو في الأدب الإنجليزي وأناتول فرانس في الأدب الفرنسي وتولستوي في الأدب الروسي، وأمثالهم ممن وقفوا أدبهم على خدمة المجتمع وإشعاره بعيوبه واستشارته إلى التسامي.

وهذا هو الأدب الأمريكي يحمل لواءه اليوم رجال مارسوا الحياة العملية في شتى شئونها ثم لم يكتبوا في خيال وأوهام وأحلام، إنما يكتبون أكثر ما يكتبون في مشكلاتهم الحالية ومسائلهم اليومية وحياتهم الاجتماعية، وأكثر هؤلاء لا يستوحون أساطير اليونان والرومان، وإنما يستوحون مجتمعهم وما فيه وما يصبو إليه. فللأديب العربي أن يستوحي امرأ القيس، أو شهر زاد، ولكن يجب أن يون ذلك نوعا من الأدب لا كل نوع ولا هو النوع الغالب ولا هو الأرقى.

والذي أوقع الأدب العربي في هذا النقص أن الأدب ظل من ظلال الحالة الاجتماعية، وللبيئة أثر كبير في تكوينه، والأمم العربية قضت عهدا طويلا في دور قوي فيه الوعي الفردي، ولم يقو فيه الوعي الاجتماعي، شأن الأمم كلها. ولكن الأمم الحية قطعت هذا الدور، وتعلمت الوعي الاجتماعي، والأمم العربية لا يزال الوعي الاجتماعي فيها في حالة التكون لم ينم ولم يقو، ومظهر الوعي الاجتماعي نجاح الجمعيات والنقابات والشركات والمؤسسات التي تنشأ من التبرعات ونحو ذلك؛ فالوعي الاجتماعي يكون حيث يكون شعور أفراد الأمة بعلاقاتهم وخيرهم واتجاه تفكيرهم وإرادتهم لخير المجتمع بجانب الشعور والتفكير والإرادة في أشخاصهم، فإذا بدأ هذا الوعي الاجتماعي رأيت للأمة عادات وتقاليد وعرفا تراعي فيها مصلحة المجموع أكثر مما تراعي مصلحة الفرد، ورأيت للفرد عواطف نحو أمته كعواطفه نحو ذاته، فهو يسر للخير يأتيه، ويتحمس للعمل ينفعه، ويألم من الشر يحيق به، فكذلك تكون عواطفه نحو أمته؛ وإذ ذاك يكون في الأمة قانون غير مكتوب ولكنه يراعى أشد المراعاة: في الاحتفالات والاجتماعات وفي مآسي الأمة ومسراتها، وفي حروبها، وفي شدائدها. وإذا نما الوعي الاجتماعي ظهر أثره في نجاح المشروعات الاقتصادية في الأمة، وفي نظم الأحزاب السياسية، وفي النقابات الزراعية، والهيئات التعليمية، وما إلى ذلك.

وتاريخ الوعي الاجتماعي في الأمة يرجع إلى وجود أفراد سبقوا زمنهم وكانوا قدوة لأمتهم، فشعروا بمجتمعهم شعورهم بذاتهم، وكانوا المثل الذي قلد، والقدوة التي اتبعت، ثم انتشر تقليدهم حتى كان من ذلك رأي عام واع وعيا اجتماعيا، يغضب للظلم، ويتحمس للعدالة، ويتغنى بالحرية، ويألم للفقر، ويغار على كل ما يمس أمته، ويخصص كل فرد جزءا من حياته لعمل اجتماعي، وهكذا. ويقوم الرأي العام في المحافظة على العادات الطيبة، والعواطف النبيلة مقام الجيش والبوليس للحكومة.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٦٥٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٦٥٧