تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وشيء آخر بين الشرق والغرب، أن الدين في الغرب نظم تنظيما دقيقا كأنه حكومة، والكنيسة ورجال الدين يسيرون على نظام محكم وعلى رأسه البابا. أما في الشرق فليس هذا هو الشأن، فلا رئيس في الهندوكية؟ وخليفة المسلمين ليس له إلا سلطة اسمية، والدين - على العموم - في الشرق نفسي داخلي، وليس يحتاج إلى نظام ولا سلطان. فإذا شعر الشرقي بحاجة إلى الدين بحث عنه كما شاء، واعتنقه كما شاء، وأسس علاقته بربه كما شاء. إذا نظرت إلى الدين في الغرب رأيته كحديقة خضعت للنظام، شذبت أطرافها في دقة، وعني بكل شيء فيها، ومنع من السير على حشائشها؛ كل شيء فيها بقانون ومنهج وقيود؛ لأن بذورها مجلوبة من الخارج فتحتاج إلى مجهود صناعي كبير. أما في الشرق فحديقة طبيعية تنمو أزهارها المحلية كما تشاء، لا تحتاج إلى بستاني يرعاها ويشذبها، وكل شيء فيها ينمو حسب قوته واستعداده الفطري من صغيره إلى كبيره.

لهذا كله كان الشرق مصدر الدين وملهمه».

| مستقبل الأدب العربي

1

يكاد يعم الناس شعور بأن هذه الحرب - التي لم يكن لها مثيل في التاريخ - خاتمة مرحلة من مراحل العالم، تبدأ بعدها مرحلة جديدة تخالف الأولى في نظمها وعقليتها ما إلى ذلك.

ومن أجل هذا أخذت كل شعبة تفكر في شأنها ومصيرها وتضع الخطط لمستقبلها، في السياسة والمال والنظم الاجتماعية، وعلاقات الأمم، وغيرها.

فلننظر - على نمطهم وعلى بدع العصر - في أدبنا العربي، ما مستقبله، وكيف ينبغي أن يكون، وأي طريق ينبغي أن يسلك؟

سؤال عسير ينبغي أن تتعاون في الإجابة عنه أقلام مفكري العرب وأدبائهم حتى يصلوا إلى منهج واضح ينفع الأدب في اتجاهه.

فأول واجب على الأدب العربي - في نظري - هو أن يتعرف الحياة الجديدة للأمم العربية ويقودها، ويجد في إصلاح عيوبها، ويرسم لها مثلها الأعلى، ويستحثها للسير إليه.

وبعبارة أوضح: إن الأدب العربي إلى الآن تغلب عليه النزعة الفردية لا النزعة الاجتماعية. فالغزل والمديح والعتاب والرثاء والفخر والهجاء ونحوها كلها في الأدب القديم نزعات فردية طغت على الأدب العربي ولونته اللون الذي نراه، بل وكذلك في العصور الحديثة تراجم الأفراد أو ترجمة الكاتب لنفسه أو تحليل الأديب لبعض الشخصيات أو روايات الغرام أو نحو ذلك كلها في نظري - أيضا - من قبيل النزعات الفردية. وأرى أن الأدب العربي يجب أن يتجه من جديد - بقوة ووفرة - إلى النزعة الاجتماعية حتى يعوض ما فاته منها في عصوره المختلفة حتى عصره الحاضر.

للأدب منزعان ومنبعان: أدب ينبع من النزعة الفردية، والأدب العربي فيها غني قوي، وأدب ينبع من النزعة الاجتماعية، والأدب العربي فيها فقير ضعيف؛ ومستقبل الأمم العربية وحاضرها في أشد الاحتياج إلى الأدب الاجتماعي ينهض بها، ولكن ماذا أعني بالأدب الاجتماعي؟

أعني به - في الأدب العربي - نظر الأدباء إلى مجتمعهم الحاضر يشتقون منه رواياتهم وأقاصيصهم، وشعرهم، ومقالاتهم؛ ويصوغون منه فنونهم الأدبية.

إن مجتمعاتنا مملوءة بالشرور الاجتماعية من عيشة أكثر الناس عيشة تافهة سخيفة، وليس الناس هم المسئولين عن سوء وضعهم وسوء حياتهم بقدر ما هو مسئول عنها أولو أمرهم، والقابضون على زمام التصرف في شئونهم، فلاح بائس، وصانع مسكين، وزوجية تعسة، وفقر ومرض، واستعدادات ضائعة، وكفايات لا تجد من يوجهها، وأطفال لا تجد من يربيها، وأغلبية لا تجد ضرورات العيش، ونفوس مستعدة لا تجد من يرقيها، وعقول صالحة لا تجد من يفتحها، ومئات ومئات أمثال هذه المآسي تنتظر من الأدب أن يعالجها ويشرحها ويحللها، ولا يقتصر على إجادة وصف ما هو كائن بل يرسم ما ينبغي أن يكون في روايته التي يضعها، وشعره الذي يصوغه، وقصصه الذي يحكيه، ومقالاته الفنية التي يحررها، ولا يكون ذلك حتى يخرج الأديب عن عزلته وينغمس في الحياة الواقعية ويكتوي بنارها. وعلى الجملة يصبح عندنا أدباء هم قادة الرأي العام يبصرونه بموقفه ويطلعونه على مزاياه وعيوبه، ويحركونه لغرض نبيل يتسامى إليه - بل هم إذ ذاك يكونون خيرا من المصلحين الاجتماعيين العلميين؛ لأن هؤلاء علماء يبحثون عن الحقائق، والأدباء فوق ذلك يلهبون بفنهم العواطف، ففائدتهم أقوى وأثرهم أبلغ بما يبعثون من حرارة الفن، وتهييج النفوس للخلاص من الشر والوصول السريع إلى الخير. إنهم يثيرون عاطفة الكراهية للموجود، وعاطفة الطموح للكمال، وهم بذلك يضيئون للناس حياتهم التعسة التي يعيشونها، وينيرون السبيل لحياة أسمى يعملون للوصول إليها.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٦٥٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٦٥٦