تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكما تعددت الملكات في الإنسان الواحد واختلفت في القوة، وتعددت في الناس جملة واختلفت في القوة، كذلك اختلفت في البيئات، فاشتهر من قديم إلهام الشرق، وعلم الغرب أو فلسفته؛ فمؤرخو الفلسفة يرون أنها ظلت عقلية بحتة ما استقرت في بلاد اليونان، حتى إذا أتت الإسكندرية امتزجت روح اليونان بروح المشارقة، وكونت مزيجا من عقل الأولين وإلهام الآخرين؛ وتعاونت الروح الشرقية - التي من خصائصها الطموح إلى ما وراء عالم الشهادة، والروح الغربية التي من خصائصها التحليل والشرح وربط الأسباب بالمسببات - على إيجاد فلسفة دينية لا هي فلسفة محضة ولا هي دين خالص.

ثم إن الأديان الكبرى من برهمية وبوذية ويهودية ونصرانية وإسلام، نبعت من الشرق - من آسيا - ومنه انتشرت في أنحاء العالم، فما علة هذه الظاهرة؟

قرأت أخيرا تعليلا لكاتب إنجليزي أقام طويلا في الهند يجيب عن هذا السؤال فيقول: «إن الريح الباردة في الشمال، والسماء الدكناء والغيوم والأمطار لا تجذب إليها الإنسان ليكون خارج نفسه، بل تجعله ينكمش داخلها. إن كل عاصفة باردة، وكل مطر غزير، وكل يوم أدكن لا يذكره بنفسه، ولكن يذكره بجسده، فيجب أن يفكر في كيف يدفأ، وكيف يغذى، وكيف يؤوى، ولا ينسى أبدا أن الجو الخارجي عدوه يخاف منه ويحتاط له. وحمله ذلك على أنه إذا أقام في مسكنه فأكره ما يكره أن يكون مع نفسه وحدها. وعزلة الإنسان وانفراد نفسه مع الطبيعة هي وحدها التي تجعله يسمع صوت الكون. إن الطبيعة لا تتكلم إلا همسا، فيجب أن يسود حولها السكون التام حتى توحي بأسرارها.

والأمر على عكس ذلك في الشرق، تمر الأسابيع والأشهر وربما نصف العام، والنهار كامل في نهاريته، والليل كامل في ليليته. وفي هذا الجو يستطيع أن يكون الإنسان مع نفسه وحدها، في هذه البيئة يستطيع أن يجد الصحراء العميقة في سكونها، والغابات التي لا حد لها، ويستطيع أن يستغرق في سكونه وتأمله فينسى الناس، ولا يشعر إلا بنفسه في أحضان الطبيعة، في أحضان الله!

إنك في الشرق قليلة حاجاتك، لست في حاجة إلى نار للدفء، بل ولا في حاجة ملحة إلى مسكن. وأي غذاء يكفي، وأي ملبس يكفي، ولست في قلق واضطراب وتفكير فيما تواجه به الريح الباردة والجو المظلم! يكفي أن يكون مأواك في النهار ظل شجرة، وفي الليل تسطع على رأسك النجوم بلألائها، لا تتصل بشيء إلا بالطبيعة. فإذا أنت أحببتها كما يجب أن تحب، وتعشقتها كما يجب أن تعشق، وناغمتها كما يجب أن تناغم، وأرسلت نفسك على سجيتها لتسبح في عجائبها ولا نهايتها، استطعت عندئذ فقط أن تستمع لموسيقاها الساحرة.

لهذا سطعت الأديان من أرض الشمس؛ لأن الضوء مصدر الإيمان.

فما لم تر الشرق لا تعرف ما العقيدة! واعتبر ذلك بما يلفت نظرك عندما تضع قدميك في الشرق. ما الذي يفجؤك؟ ما الذي تشعر أنه الشيء الفعال النفاذ في نفوس الناس؟ إنه الدين! إن الشرقي فخور بدينه، يحب أن يدل عليه حتى بمظهره: فهذا الهندوسي بشعبه الثلاث التي على رأسه، وهذا المسلم بلحيته وعمامته أو نحو ذلك. هل رأيت إنجليزيا يصلي في الشارع؟ وإذا رأيته أفلا تلومه وتصيح فيه: «صل في بيتك» وتعتقد أنه يعرض صلاحه وتقواه؟ ليس الأمر كذلك في الشرق، إن الشرقي يفعل ذلك ولا يرى فيه موضع مؤاخذة أو غرابة. إنك تركب القطار في الهند فترى هؤلاء الهنود من رجال ونساء وأطفال يتجمعون عند طلوع الشمس، فيحيونها ويصلون لها ، وهؤلاء المسلمون ينشرون ثيابهم على الأرض، ويتجهون نحو الكعبة، يصلون لله على ملأ من الناس، ويرون ذلك واجبهم؛ ذلك لأننا في الغرب لا ندرك حقيقة إيمان الشرق! إن الشرقي يعد الدين نفسه، ولا يعده الغربي كذلك - إن الغربي قد يساكن آخر، ويصاحبه زمنا طويلا، ولا يسائله يوما عن دينه، بل ولا يهمه ما دينه. ولكن الدين في الشرق أعز شيء عند أهله.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٦٥٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٦٥٥