تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ووصل بفلسفته إلى وجود الله، وأنه علة العلل، وأنه واحد، وأنه بريء من الكم والكيف والأين والمتى والحركة، إلى آخر ما قرره في فلسفته.

وكان يعاصره رجل كبير اسمه أبو سعيد بن أبي الخير، يقرن بعمر الخيام فيما له من رباعيات عميقة تفيض بالحياة، وكان صوفيا فارسيا عظيما، تربى على النمط الصوفي، كما تربى ابن سينا على النمط العلمي والفلسفي. إذا قرأ ابن سينا المنطق على أستاذه استعدادا للفلسفة، فأستاذ أبي سعيد يعده للتصوف، فيأمره أن يستحضر الله بقلبه، ويتصوره مكتوبا بأحرف من نور على قلبه وعلى سائر أعضائه، ويمليه رباعية فارسية يأمره أن يكررها ما استطاع؛ ومعناها:

بدونك - أيها الحبيب - لا أذوق طعم الراحة

وفضلك علي - أيها الحبيب - لا يمكن أن يعد ولا يحصى

لو أن كل شعرة من جسمي لسان يذكرك

وكلها تنطق بآلاف الثناء عليك ما أديت حقك

ثم يتدرج به شيخه في الإرشاد من تأمل وخلوة أحيانا ونحو ذلك، حتى يصبح أكبر صوفي في عصره يروى عنه الأدب الغزير في التصوف. فأصبح ابن سينا علما في فلسفته، وأبو سعيد علما في تصوفه.

فيحكون أن القدر جمع بينهما في نيسابور، فاجتمعا ثلاثة أيام بلياليها يتذاكرون ما وصلا إليه في فهم الحقيقة، ثم افترقا. فسأل تلاميذ ابن سينا أستاذهم عن رأيه في أبي سعيد، فقال ابن سينا: «إن ما أعلمه أنا يراه هو!»

وسئل أبو سعيد عن رأيه في ابن سينا، فقال: «إن ما أراه أنا يعلمه هو!»

مهما شك المؤرخون في صحة هذه القصة فهي قصة ظريفة تمثل الواقع. هي الفرق بين الفيلسوف والصوفي، وهي الفرق بين العقل ينمى والقلب يغذى، بين العقل يتفلسف والقلب يتدين، بين ملكتين في طبيعة الإنسان اتحدت غايتهما واختلفت طريقتهما: عقل يسير في طريق المنطق والمقدمات والنتائج، وقلب يسير في طريق الحب. يقول ابن سينا: «أحيانا كنت أتحير في مسألة، ولم أكن أظفر بالحد الأوسط في القياس»؛ وأبو سعيد كان يتحير إذ يجد حرارة حبه قد فترت؛ ذاك يعمل العقل حتى يظفر بالحد الأوسط، وهذا يرهف الشعور حتى تتقد حرارة حبه.

وكما تمثل القصة ملكتي النفس، فهي كذلك تمثل الناس؛ هذا رجل عقل جاف نمى عقله حتى على حساب شعوره؛ وهذا رجل قلب حار نمى قلبه حتى على حساب عقله، وقل من اعتدل.

ويعجبني اتفاقهما على تسمية إدراك العقل علما، وإدراك القلب رؤية. فالعقل يعلم عطف الأب على الابن ولكن قلب الأب يراه؛ والعقل يعلم أن هناك حبا ولكن القلب يراه.

إن الكون مملوء بتموجات دونها تموجات المحيط، ترى العين بعضها ولا ترى بعضها، حتى مما يمكن أن يرى، فإذا زادت التموجات أو قصرت عن حد معلوم فلا يراها الإنسان، وقد يراها بعض الحيوان؛ وكذلك السمع والشم، وهناك تموجات يعلمها الإنسان ويراها الحيوان، فالنحل يرى يعسوبه إذا بعد عنه أميالا، والإنسان قد يعلمه ولا يراه. والطيور الرحالة ترى أعشاشها على بعد آلاف الأميال، والإنسان لا يراها، والجمل يرى موضع الماء في الصحراء واتجاهه، وقد يعلم ذلك الإنسان ولا يراه. والنمل يشم السكر في الصيوان، والإنسان قد يعلمه ولا يشمه. والشيء قد يكون ظلاما دامسا لإنسان ونورا ساطعا لإنسان فحقا ما قالاه من أن إنسانا يعلم وإنسانا يرى! وما العقل والإلهام، وما التفكير والشعر، وما الفن والخيال، وما الفلسفة والدين إلا جداول من ذلك المحيط، محيط الكون اللا متناهي، تدرك بعض تموجاته. فضلة لرجال علم ينكرون وحي الدين، وضلة لرجال دين ينكرون حقائق العلم.

لقد قال متصوف: «حقا حقا، إني لست شيئا إلا فيضانا من حب!» فقال عالم: «حقا حقا، إني لا أفهم لغتك، وما هي إلا هذر». وقال متصوف: «إني أنا الحق». فقال عالم: «لست الحق، ولكني باحث عن الحق لأستخدمه في حياتي». أما أنا فإني أفهم المتصوف في حبه، والعالم في عمله، ولا أفهم إنكار أحدهما للآخر.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٦٥٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٦٥٤