إن العلم نجح في شرح مظاهر المادة فأداه غروره إلى أن يعرف حقيقتها؛ إنه يستطيع أن يعرف «كيف»، ولكنه لم يستطع ولن يستطيع أن يعرف «ماذا». إن من اختصاصه أن يقول: «إن العالم الظاهري الطبيعي مركب من مادة، وهو آلة تعمل؛ ولكنه بدل أن يقول ذلك قال: «إن العالم المادي هو وحده الحق، والمادة وحدها هي الموجودة». وبدل أن يقول في نشوء العالم: إن الحياة ترتقي من البسيط إلى المركب بعوامل مختلفة. قال: «إن أصل الحياة وجد من هذا البسيط وتركب، وإن أصل الإنسان لم توجده قدرة إلهية، وإنما هو عمل حرارة الشمس في مادة بسيطة». وبهذا تعدى العلم طوره واغتصب ما لا يملكه وإنما يملكه الدين، فالدين وحده هو الذي يستطيع أن يفسر ما وراء المادة من حياة ونفس وإله، ونحو ذلك من العالم الروحاني.
وقد اغتصب العلم ذلك من الدين ردا على ما حدث في قرون طويلة من اغتصاب رجال الدين لحقوق العلماء. إن من حق العلماء أن يقرروا كل ما يتعلق بالمادة وصفاتها كما تقوم عليه براهينهم. للجغرافي أن يقرر ما يقوم عليه البرهان من دوران الأرض حول الشمس لا الشمس حول الأرض، وللفلكي أن يقرر النظام الشمسي وغيره كما يدل عليه علمه، وللجيولوجي أن يقرر عمر الأرض بملايين السنين أو بالآلاف كما تدل على ذلك براهينه، ولدارون أن يقرر النشوء والارتقاء من البسيط إلى المركب، ولكل رجال علم الحق في أن يقرروا قوانين المادة التي يكتشفونها، كل في اختصاصه كما يشاءون. فإذا اعترض رجال الدين على ذلك كانوا قد تجاوزوا حدودهم، وتحدثوا فيما ليس من شأنهم. ولجهل هذا الأساس كان التاريخ وأحداثه الأليمة مظهرا من مظاهر اغتصاب رجال الدين لحقوق العلم، أو اغتصاب العلماء حقوق الدين.
وأخيرا نرى في الأيام الأخيرة بين بعض رجال العلم وبعض رجال الدين حركة محمودة قوامها أن للعلم عالما يجول فيه ما شاء، وليس للدين أن يعترض عليه، وذلك هو عالم الطبيعة، عالم المادة بما فيها العقل والنفس، وأن للدين عالما يجول فيه ما شاء، وليس للعلم أن يعترض عليه، وذلك هو عالم الروح والله. وأن الخريطة التي يرسمها العلماء للعلم مركزها وأفقها ليست هي الخريطة التي يرسمها الدين. ويعجبني قول أحد رجال العلم المشهورين الأستاذ «مكس بلانك»، في كتاب له عنوانه «إلى أين يتجه العلم»: «ليس هناك تعارض حقيقي بين العلم والدين، بل إن أحدهما ليحيي الآخر ويؤيده. وكل إنسان مفكر جاد يرى أن عنصر الدين مغروس في طبعه، ويجب أن يتعهد وينمى ويرقى كما ترقى وتتعهد عناصر الإنسان الأخرى؛ لتتوازن العناصر وتتناغم. وليس من باب المصادفة أن عظماء المفكرين في كل عصر كان الدين متغلغلا في أعماق نفوسهم، حتى ولو لم يظهروا أمام الناس قوة شعورهم بدينهم. ومن التعاون بين العقل والدين ظهرت أجمل ثمرة للفلسفة، وأعني بها ثمرة الأخلاق. والعلم رفع القيمة الأخلاقية للحياة؛ لأنه عضد حبه للحقيقة واحترامها. أما حبه للحقيقة فبما أظهره من حب متواصل في عالم المادة وعالم العقل الذي حولنا. وأما احترامه للحقيقة فلأن كل تقدم في العلم والمعرفة يجعلنا نواجه وجودنا الغامض».
4
كان أبو علي بن سينا من أكبر فلاسفة المسلمين إن لم يكن أكبرهم - تربى من صغره تربية فلسفية دقيقة، فتعلم على أساتذة المنطق والرياضة والطبيعة والفلك، ثم انصرف إلى ما نقل عن اليونان أيضا من علم ما بعد الطبيعة، فقرأ كتاب ما بعد الطبيعة لأرسطو أربعين مرة، فلم يفهمه، ثم عثر على كتاب للفارابي يشرح كتاب أرسطو ويبين أغراضه، فالتهمه التهاما، وانكشف له به كتاب أرسطو انكشافا، وفي كل ذلك يعمل عقله الكبير في أعقد المسائل الفلسفية لا يمل، وإذا نام حلم فيما يشغله في أثناء يقظته، حتى وصل إلى فهم الفلسفة فهما دقيقا، وألف فيها الكتب الكثيرة مطولة ومتوسطة ومختصرة.