تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم كل حي إلى موت، لا يفر منه أي شيء، هو قانون الطبيعة الذي لا يتخلف. قد يستطيع العلم بمهارته وآلاته ومستكشفاته أن يؤخر الموت ساعات وأياما، وإن شئت فقل: أشهرا وسنين؛ ولكن كل وظيفته أن يؤخر لا أن يمنع، فإذا حاول أن يمنع عجز عجزا تاما.

ثم هو عاجز أيضا أن يفسر لنا ظاهرة الموت! إن هذه الحياة التي أتت ولا نعرف من أين أتت، لا نعرف أيضا أين ذهبت.

إن الدين يبتدئ حيث ينتهي العلم، فهو يفسر لنا الحياة والموت عن طريق العقيدة لا عن طريق المنطق، فالله واهب الحياة:

يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ويحيي الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون * ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون .

هو ممد الحياة في أثناء الحياة، وهو سالب الحياة بالموت؛ وهو باعثها من جديد:

ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون * وله من في السماوات والأرض كل له قانتون * وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وله المثل الأعلى في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم .

والحياة مراحل ثلاث: دخولنا هذا العالم، ورحلتنا فيه، ورحيلنا عنه. ولا سلطان لنا في مرحلتيه الأولى والأخيرة، وإنما لنا مظهر قدرة في المرحلة الوسطى؛ ليجري على أيدينا الخير أو الشر، والنفع أو الضر. إننا لا نستطيع أن نرجع عقرب الساعة إلى الخلف ولا إلى الأمام، وإنما نحن «بندول» يتحرك، يقيد علينا الثواني والدقائق؛ قد قيد علينا الماضي وهو يتحرك في الحاضر، ولا أعرف إن كان يتحرك أو يقف غدا، وكل ما أنا مكلف به أن أعمل لإسعاد من حولي، وإسعاد الإنسانية على قدر ما أستطيع. فأما من آمن فسعد بالشعور باتصال حياته بإلهه، وبالشعور بخلود النفس، وأن الموت ليس إلا ظاهرة مادية كظاهرة الولادة، وأن الروح التي أتت مع الولادة وكانت قبلها، ستظل بالموت وتبقى بعده، وأما من ألحد فالمستقبل مظلم والفناء سريع. عند المؤمن الموت نهر غزير عليه جسر عبور، وعند الملحد الموت نهر غزير ينغمس هو في أعماق ظلماته. عند الملحد لا شيء يخلد، وعند المؤمن هناك خلود الله وخلود النفس وخلود الحقيقة.

إن الدين يقرر إلها كاملا في صفاته، ويقرر إعظام الله، وحسن الصلة بين الإنسان وربه بإقامة الشعائر، وحسن الصلة بين الإنسان والإنسان باتباع القواعد والأخلاق، وأخيرا يقرر بقاء الروح والحياة بعد الموت، والجزاء الأوفى على ما عمل من خير أو شر.

فماذا عند العلم ليقوله في ذلك؟ لا شيء!

لقد شهد القرن التاسع عشر والقرن العشرون معركة حامية بين رجال العلم ورجال الدين؛ لأن كلا منهما كان يحاول أن يغتصب من الآخر ما ليس له، وكان كل منهما مخطئا. اعتز العلم بقوته وبنجاحه في الآلات والصناعات، وتغييره حياة الإنسان وأدواته تغييرا تاما، وإمداده بالقوة في مناحي الحياة المختلفة حتى اعتقد أنه على كل شيء قدير، وشاع على ألسنة الناس البرهان العلمي والتحقيق العلمي وما إلى ذلك من ألفاظ، واعتقد الناس أن ما قاله العلم هو الحق وهو الصحيح، وطمع العلم أن يجري تجاربه على الإنسان، كما نجح في تجاربه على قطعة من الحجر فيحلله إلى عناصره الأولى، حتى حاول أن يرجع الأفكار والعواطف إلى المادة، وأنها مظهر للمادة كبعض صفاتها؛ وكما تفرز المعدة عصارة هضم يفرز المخ فكرا. وأخذ يحلله على هذا الأساس حتى شعره وحبه، وحتى دينه وعقيدته في الله؛ لا شيء إلا المادة وصفاتها، والعالم ليس إلا آلة ضخمة كبيرة، نعم هي معقدة ولكن العلم قادر على شرحها، وأخذ مذهب النشوء والارتقاء يحاول تفسير الأشياء وما يحدث لها تفسيرا علميا من ألفها إلى يائها. وجرى على أن العالم ليس إلا مادة، ولا حقيقة إلا المادة، وأنها خاضعة في كل حركاتها لما تخضع له الآلة الكبيرة من قوانين، وأنها تنشأ وترتقي آليا بنفسها لا بغيرها؛ لكن العلم على هذا النحو اصطدم بالحياة فعجز عن تفسيرها، واصطدم بأن العناصر المادية للشيء تتكون ثم لا يكون الشيء؛ واصطدم بجهله بحقيقة الأشياء وإن عرف مظاهرها وآثارها.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٦٥٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٦٥٢